
ليس الحكمُ في ميزان القرآن لفظًا قانونيًا جافًا، ولا فعلَ قضاءٍ يُستنفد صداه عند إصدار القرار، بل هو تجلٍّ سياديٌّ للإرادة الإلهية في نسيج الوجود نفسه. وحين يصف القرآن اللهَ تعالى بأنه خير الحاكمين، فإنه لا يضعه في مرتبةٍ أعلى ضمن سلّم الحُكّام، بل ينزع عن غيره أهليةَ الحكم المطلق من أصلها. فالحكم البشري، مهما بلغ من إحكام، يظلُّ رهينًا للزمن، أسيرًا للمعلومة الناقصة، مُثقَلًا بالهوى أو الخوف أو الجهل بالمآلات. أما حكمُ الله، فلا يُقاس باللحظة، ولا يُختزل في الظاهر، ولا يُحدُّ بسياقٍ أو ظرف؛ لأنه حكمُ من يحيط بالمبتدى والمنتهى، وبالعلة ونتيجتها، وبالطريق ونهايته.
وحين يقول الله عن نفسه إنه خير الحاكمين، فإنه لا يصف عدالةً مجردة، بل يُعلن عن نمطٍ فريدٍ من الحكم حكمٍ لا يحتاج إلى وسائط ولا ينتظر اكتمال الشروط ولا يتعطّل بتعقّد الأسباب. فما إن تتعلّق الإرادة الإلهية بأمر، حتى يُقال له: “كن” “فيكون”.
لا لأن الأسباب غابت، بل لأن الأسباب ذاتها خاضعةٌ لمن أوجدها. وهنا تتجلى المفارقة الكبرى التي يغفل عنها الإنسان: أن الكون لا يسير بالأسباب استقلالًا، بل يسير بها ما دامت الإرادة الإلهية قد أذنت لها بأن تعمل. فإن شاء الله أمضاها، وإن شاء عطّلها، وإن شاء تجاوزها، من دون أن يختلّ نظامه أو يتناقض حكمه. ولذلك جاءت آيات “خير الحاكمين” كلّها في سياق انتظارٍ وصبرٍ وتنازعٍ بين حقٍّ وباطل؛ كأنها تقول للإنسان: لا تنظر إلى ما استقرّ في اللحظة ولا تنخدع بما استقوى في الظاهر، فالحكم لم يُنطق بعد. فالله حين يحكم، لا يحكم لأن الخصومة اشتدّت، ولا لأن المظلوم صرخ، بل لأنه آنَ للحق أن يأخذ مكانه في الوجود، وقد يتأخر هذا الحكم في عين الإنسان، لكنه لا يتأخر في ميزان الحكمة فهو خير الحاكمين ولأن حكمه لا يُنقَض ولا يُستأنَف ولا يُراجَع ولا يُخطئ الطريق إلى العدل، حتى وإن بدا العدل في أعين البشر مؤجَّلًا أو غائبًا.
وهو خير الحاكمين، لأن حكمه لا يقتصر على الفصل بين الناس، بل يمتد ليُعيد ترتيب التاريخ ويُصحّح مسار الوقائع ويكشف في النهاية أن ما ظُنَّ هزيمةً لم يكن إلا طورًا من أطوار الغلبة.
وهكذا، فإن قول الله تعالى ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ ليس تسليةً للمؤمن ولا وعدًا غائمًا بالمستقبل، بل إعلان سيادةٍ كونية: أن الحكم، كل الحكم، يؤول في النهاية إلى من يقول للشيء إذا أراده: “كن”، “فيكون”.
