في معنى قَولِه تعالى “لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا”

من المعاني التي ينطوي عليها قَولُ اللهِ تعالى (لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا) (من 1 الطلاق)، أنَّ تحكيمَ العقل وحده في الوقائعِ والأحداث ليس بالضرورةِ أن يكونَ السبيلَ الصائب المفضي إلى معرفةِ إلام ستؤولُ مآلاتُها. صحيحٌ أنَّ العقلَ لم يتطور حتى يكونَ بمقدورِه أن يدركَ، ومن تلقاءِ نفسِه، أنَّ هنالك أبعاداً أخرى غيرَ ما بوسعِه أن يتبيَّنَه، إلا أنَّ هذا ليس بالعذرِ الذي نسوِّغُ به لحكمنا باستحالةِ حدوث ما تعجز هذه الأسباب عن التعليلِ له. فالله تعالى قد بيَّن لنا في قرآنِه العظيم أنَّ هذا العالَم، وإن كان مجالَ تجلٍّ لهذه الأسبابِ وهي تؤدي دورَها الذي أناطه بها، يشهد من تجلياتِ تدخلِه المباشر ما بمقدورِه أن يحيِّدَ هذه الأسباب ويحولَ بالتالي دون أن يتحقَّقَ بها من نتائج تخضع عادةً، مع أسبابِها هذه، لقانون السببية؛ هذا القانون الذي جعله اللهُ تعالى صالحاً لكلِّ زمانٍ ومكان إلا إذا ما شاء خلاف ذلك.
فقولُ اللهِ تعالى “لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا” هو دعوةٌ لعدمِ اليأس، وإشاعةٌ للأملِ بالله، الذي ليس لشيءٍ سواه أن يتسيَّدَ المشهدَ فيهمنَ على أسبابِه وقوانينِه، حتى يؤيِّسَنا من رحمةِ الله مخلوقٌ كائناً ما كان. فاللهُ تعالى قادرٌ على أن ييسِّرَ العُسر، وهو وحده مَن بمقدورِه أن يحولَ دون بلوغِ الأسباب نتائجها. ولذلك نقرأ في القرآن: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (53 الزُّمَر)، (وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ( (من 87 يوسف).
ولقد ضمَّنَ اللهُ تعالى ذاتَ السورة التي وردَ فيها قولُه “لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا”، ما بوسعه أن يعزِّزَ لدى المتدبر المتفكر هذه المعاني كلَّها جميعاً، فقال: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا( (من 4 الطلاق)، وقال أيضاً: (سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا) (من 7 الطلاق).
يبين لنا تدبُّرُ ما تقدم أنَّ المقاربةَ الصائبة لوقائعِ هذا العالَم وأحداثِه تكمن في دوامِ تذكُّر أنَّ اللهَ الذي كفَّل الأسبابَ والقوانين مسؤوليةَ تسيير وقائع وأحداث هذا العالَم بإذنِه، قادرٌ على أن يقولَ للشيءِ إذا أراده “كن فيكون”، حتى لا يكونَ لهذه الأسبابِ والوقائع ما يكفل لها تأديةَ الدورِ الذي سبق وأن كلَّفها به، وحتى تتجلى، وبلمح البصر، آثارُ رحمتِه التي بوسعِها أن تغيِّرَ الأمورَ من حالٍ إلى حال فيأتي بذلك الفرجُ وتتيسَّر أمورُ الإنسان من حيث لا يحتسب..

أضف تعليق