
لطالما صُوّر “الشر” في الأدبيات الفلسفية القديمة، منذ أفلاطون وصولاً إلى ثنائيات المانوية واللاهوت الوسيط، كقوة غاشمة تسكن في أركان الكون، أو كـ “ندّ” موضوعي للخير في معركة أزلية. لكن القراءة المتأنية لتاريخ الفكر، وبالتحديد عند الفيلسوفة الألمانية هانا آرنت، تكشف لنا مغالطة كبرى: إننا لم نشهد شراً في هذا الوجود لا يحمل بصمة الإنسان. إن هذه المقالة تسعى لتأكيد فكرة جوهرية؛ وهي أن الشر ليس قدراً كونياً، بل هو “إفراز بشري” محض، وما القول بكونيته إلا محاولة للتملص من المسؤولية الأخلاقية.
إن الخطأ المعرفي الذي وقع فيه الفكر الكلاسيكي يكمن في “النزعة الأنثروبوسنترية” (المركزية البشرية)؛ حيث أسقط الإنسان معاييره الأخلاقية على الطبيعة الصامتة، فعندما نرى زلزالاً أو افتراساً في الغابة ونسميه “شراً”، فإننا نرتكب خطأً بنيوياً؛ وذلك لأن الطبيعة محايدة أخلاقياً ولا تملك “قصداً”. لقد جعل هذا التعميم الشر يبدو كمظهر كوني شامل، مما ولد منظومات فكرية وتأسيسية قامت على صراع وهمي بين قطبي الخير والشر، في حين أن الكون يتجاوز هذه الثنائيات الضيقة.
ولقد جاءت هانا آرنت لتقدم الدليل العملي على “بشرية الشر” من خلال مصطلحها الشهير “تفاهة الشر” (Banality of Evil). في محاكمة “آدولف آيخمان”، لم يجد العالم أمامه وحشاً كونياً أو وحشاً سادياً، بل وجد “موظفاً تقليداً” يفتقر للقدرة على التفكير والحكم. أرادت آرنت أن تقول إن الشر لا يملك “عمقاً جذرياً” (Radical Depth) في الوجود، بل هو “نبات طفيلي” ينمو على السطح فقط عندما يتوقف الإنسان عن ممارسة خصلته البشرية الوحيدة: التفكير النقدي. وبهذا، جردت آرنت الشر من هيبته الميتافيزيقية المزعومة، وأعادته إلى حجمه الحقيقي كـ “خلل إجرائي” في الإرادة البشرية.
فإذا كان الشر، كما أثبتت آرنت، هو نتاج “عدم التفكير” والامتثال الأعمى، فهذا يعني بالضرورة:
1. عدم وجود شر كوني: فالذرات والمجرات لا “تفكر” وبالتالي لا يمكن أن تكون شريرة.
2. حصر الشر في “المجال البشري”: الشر ظاهرة تظهر فقط حيث يوجد الوعي والقصد والقرار. لا وجود للشر في الفراغ الكوني، بل يوجد في الفراغ الذي يتركه الإنسان عندما يتخلى عن مسؤوليتة.
3. تصحيح المسار المعرفي: إن القول بأن الشر مقابل موضوعي للخير هو تزييف للواقع؛ فالخير هو الفعل البشري الواعي، والشر هو “تلاشي” هذا الوعي.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن تحرير الكون من صفة “الشر” يعيد الاعتبار للطبيعة والوجود كساحة محايدة للجمال والتعقيد، ويضع المرآة أمام وجه الإنسان وحده. إننا عندما نقصر الشر على الإنسان، فإننا لا “نظلمه”، بل نشدد على فرادته وقدرته على الفعل. لقد توحدت المقاربات القديمة على تعميم الشر ليصبح كونياً، أما اليوم، وبفضل آرنت، ندرك أن الشر لا يتواجد إلا حيث نتواجد نحن؛ إنه ظلنا الذي نلقيه على العالم، وبيدنا وحدنا أن نضيء الوعي لنبدد هذا الظل.
