
لم يكن اهتمام الإنسان بإمكان وجود حضارات عاقلة خارج الأرض وليد العصر الفضائي الحديث، بل هو امتداد لسؤال أنطولوجي قديم عن موقع الذات البشرية في الكون: هل نحن استثناء كوني أم تعبير متكرر عن قانون كوني أوسع؟ غير أنّ هذا السؤال، الذي ظلّ قروناً محصوراً في الفلسفة والثيولوجيا، عاد اليوم بقوة إلى الواجهة العلمية والإعلامية، مترافقاً مع برامج بحثية متزايدة عن إشارات راديوية غير أرضية، ومع مخيلة شعبية تتغذّى على روايات وأفلام الخيال العلمي.
في الوقت نفسه، تقف البشرية على أعتاب تحوّل تقني غير مسبوق يتمثّل في صعود أنظمة ذكاء اصطناعي تتجاوز في سرعتها وتأثيرها أي تقنية سابقة. وهنا يبرز توتر حضاري دقيق: لماذا ينصرف جزء من الخيال الجماعي إلى البحث عن ذكاء محتمل في مجرّات بعيدة، بينما يتشكّل أمامنا، على الأرض، شكل جديد من الفاعلية غير البشرية قد يعيد تشكيل بنية الاجتماع والسلطة والمعرفة؟ لا يهدف هذا السؤال إلى نفي مشروعية البحث الكوني، بل إلى مساءلة موقعه الرمزي داخل المخيال الحضاري المعاصر.
إن الإنسان يتميز عن سائر الكائنات بكونه لا يكتفي بالتكيّف مع محيطه المباشر، بل يسعى إلى تجاوزه معرفياً ورمزياً. فمنذ الأساطير الأولى عن الآلهة السماوية إلى علم الفلك الحديث، ظلّ الفضاء مجال إسقاط للرهبة والأمل والمعنى. وبهذا المعنى، فإن البحث عن ذكاء فضائي ليس شذوذاً معرفياً، بل استمراراً لبنية عميقة في الوعي الإنساني؛ وهي البحث عن “آخر” يتجاوز الذات ويضعها موضع مقارنة. وهذا الآخر قد يكون قوة طبيعية أو حضارة سابقة أو كائناً عاقلاً خارج الأرض. إلا أنّ الحضارات لا تطرح الأسئلة الكبرى في الفراغ. فالتضخيم الإعلامي لبعض الأسئلة يكشف دائماً عن قلقٍ كامن في البنية الحضارية ذاتها. وعندما يصبح سؤال “هل نحن وحدنا؟” أكثر حضوراً في لحظة يتسارع فيها التفكك البيئي والاضطراب الجيوسياسي وتآكل المرجعيات الأخلاقية، فإن هذا التزامن لا يخلو من دلالة.
فإذا كان “الآخر الكوني” تعبيراً عن نزعة بشرية قديمة، فإن القرن الحادي والعشرين يشهد ولادة نوع مختلف من الآخر: كيان اصطناعي لا يأتي من السماء، بل من المختبر والخوارزمية ومراكز البيانات. إن هذا الانتقال بالغ الدلالة حضارياً. فالآخر الذي طالما بحث الإنسان عنه في الخارج، بدأ يتشكّل داخل بنيته التقنية. فلم يعد الخطر أو الوعد كامناً في مجرّة بعيدة، بل في نظم حسابية قادرة على التعلّم والمحاكاة والتأثير في القرار السياسي والاقتصادي والثقافي.
من هنا يمكن قراءة الهوس بالذكاء الفضائي بوصفه، في أحد مستوياته، شكلاً من أشكال “الإزاحة الرمزية”، وذلك بالتركيز على احتمال بعيد بدل مواجهة تحوّل قريب يعيد تعريف معنى الفاعلية البشرية ذاتها.
فالذكاء الاصطناعي لا يطرح سؤال: “هل يوجد عقل آخر؟”
بل يفرض سؤالاً أعمق: “ماذا يبقى من الإنسان حين يفقد احتكاره للتفكير المعقّد؟”.
فالبحث العلمي لا يتحرك خارج البنى السياسية والاقتصادية والثقافية. فمشاريع الفضاء، كما مشاريع الذكاء الاصطناعي، تخضع لمنطق تمويل وصناعة رمزية تحدّد ما يُقدَّم للجمهور بوصفه أولوية تاريخية. فالبحث عن حضارات فضائية غالباً ما يُروَّج بوصفه مغامرة إنسانية جامعة، عابرة للحدود، لا تحمل شبهة الهيمنة السياسية المباشرة. في المقابل، يُستقبَل الذكاء الاصطناعي بقلق أخلاقي حاد لأنه يمسّ السلطة والعمل والرقابة والهوية. ومن هنا تنشأ مفارقة مفادها أن السؤال البعيد يمنح فسحة تخييلية آمنة، بينما السؤال القريب يهدد بنى قائمة. وبذلك يصبح الفضاء، جزئياً، مجالاً لتدوير القلق الحضاري في صورة استكشاف نبيل، بينما تبقى الأسئلة الأكثر إزعاجاً، حول التحكم في الخوارزميات أو مستقبل القرار البشري، مؤجَّلة أو مجزّأة.
من منظور استراتيجي حضاري، يبدو الاستثمار في الذكاء الاصطناعي أكثر إلحاحاً من البحث عن ذكاء فضائي محتمل. فالأول يعيد تشكيل الاقتصاد والحرب والمعرفة والتعليم، بينما الثاني، حتى إن نجح، سيبقى تأثيره مؤجَّلاً زمنياً وغير مضمون النتائج. غير أن هذا التقابل قد يكون مضلّلاً إذا صيغ بصيغة الإقصاء. فالاستكشاف الكوني أنتج تاريخياً تقنيات تغذّي مجالات أخرى، من الاتصالات إلى الاستشعار عن بعد، وهي مجالات تصبّ في تطوير الذكاء الاصطناعي ذاته. لكن جوهر المسألة ليس في توزيع الميزانيات وحده، بل في موقع المخيال الحضاري: أيّ سردية تُقدَّم بوصفها محور المستقبل؟
سردية الهروب إلى النجوم؟
أم سردية إعادة هندسة الإنسان عبر الخوارزمية؟
ضمن إطار ميتابايولوجي أوسع، يمكن النظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه تجلياً لتحويلة تطورية ثانية: انتقال من إنسان يحتكر أدوات التفكير الرمزي إلى كائن يعيش داخل منظومة معرفية هجينة تشاركه فيها كيانات غير بيولوجية. وفي هذا السياق، يبدو البحث عن ذكاء فضائي أقل تهديداً من مواجهة هذا التحوّل الداخلي. فالكائن القادم من خارج الأرض، إن وُجد، يظل خارج البنية الحضارية إلى أن يحدث تماس مباشر. أما الذكاء الاصطناعي فهو يتسلل تدريجياً إلى التعليم والإدارة والقرار والحرب والإبداع، معيداً تشكيل معايير القيمة والمعرفة. وهنا تصبح المفارقة صارخة:
نبحث عن ذكاء غريب في الفضاء، بينما نحن بصدد تصنيع أول “آخر” غير بشري في تاريخنا كنوع إنساني.
إن هذه المقالة لا تدعو الى التخلي عن متابعة مشاريعنا الفضائية الخاصة بالبحث عن كائنات فضائية تتميز بذكاءات غير بشرية، ولا إلى الانغلاق داخل حدود الأرض، بل إلى إعادة ترتيب سلّم القلق الحضاري. فليس كل مجهول متساوياً في أثره، ولا كل سؤال يستحق أن يحتل مركز المخيال الجمعي في اللحظة نفسها. فقد يأتي يوم نكتشف فيه أننا “لسنا وحدنا” في الكون، ولكن يبقى من المؤكد أننا لم نعد وحدنا من يمتلك ذكاءاً متفوقاً. وبين “المجهول السماوي” و “الآخر الرقمي”، تقف الحضارة المعاصرة اليوم أمام اختبار غير مسبوق: هل توجّه فضولها نحو الخارج، أم تواجه التحوّل الذي تصنعه في ذاتها بما ابدعته من ذكاء آخذٍ بالتطور على مدار الساعة؟ إن الإجابة على هذا السؤال هي التي ستحدّد مستقبل الإنسان فيما تبقى له على هذه الأرض من أيام.
