
الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يدرك تماماً مدى ضآلته وهشاشته أمام الطبيعة. هنا، لا يعمل الخيال فقط كمحرك للإبداع، بل كـ “آلية تكيف دفاعية”، وذلك عن طريق الهروب من الواقع. فحين يصبح الواقع غير قابل للاحتمال بسبب الفقر أو المرض أو الوعي بالموت، ينسحب العقل إلى “كينونات ضبابية”. وهذا الانسحاب ليس عطلاً في النظام، بل هو محاولة من الدماغ لتسكين القلق الوجودي. كما تجدر الإشارة الى ما يستنزفه الخيال من طاقة الدماغ. فبيولوجياً، الدماغ يستهلك حوالي 20% من طاقة الجسم. وملاحقة الأخيلة العقيمة هي بالفعل “هدر” بالمعنى الاقتصادي الصرف، لكنها بالنسبة للكائن “الهش” قد تكون ثمناً لعدم الانهيار النفسي الكامل.
يمكننا تقسيم الخيال إلى نوعين، وهو ما لمح إليه عالِم الأعصاب “آدم زيمان” وآخرون في علم الأعصاب الإدراكي: خيال توليدي وخيال ارتدادي. وهذا التمييز يوضح أن التطور لم يستغرق ملايين السنين لينتج عقولاً تهدر طاقتها، بل أنتج ميزة القدرة على المحاكاة الذهنية، والتي كانت ضرورية للبقاء. ولكن هذه الميزة “تفتتت” لدى أغلبية البشر لتتحول من أداة سيطرة على الواقع إلى وسيلة للهروب منه.
يمكننا القول إن الخيال هو “الفائض” الذي لم تستطع البايولوجيا ترويضه، وذلك كما تجليه المفردتان التاليتان:
1. الهشاشة والتعالي. فالإنسان كائن “بيني”؛ فجسده ينتمي للطبيعة (الضرورة)، وعقله ينتمي للخيال (الحرية). هذا الصراع يولد الهشاشة.
2. تبديد الطاقة، وهو الضريبة التي تدفعها السلالة البشرية مقابل امتلاكها “وعياً ذاتياً”. فالوعي لا يأتي مجرداً، بل يأتي محفوفاً بضجيج الخيال الذي لا طائل من وراءه.
والآن، يحق لنا ان نتساءل إن كان الخيال يمثل “خطأً تطورياً”؟ فإذا نظرنا إلى نسبة الـ 2.5%، وهي نسبة المبدعين من البشر، فيمكننا صياغة فرضية قاسية مفادها أن الخيال المبدع هو الطفرة الناجحة، أما خيال السواد الأعظم فهو “الأثر الجانبي” (By-product) غير الضار بالبقاء ولكنه غير مفيد للإرتقاء.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن الطبيعة لا تعبأ إذا كنت تقضي وقتاً في ملاحقة “كينونات ضبابية” طالما أنك باقٍ على قيد الحياة وقادر على التناسل. فالهشاشة هنا تكمن في أننا سُلمنا “محركاً نفاثاً” (العقل البشري) ونحن لا نملك إلا “مضماراً ترابياً” (الواقع اليومي المحدود) لنجري فيه.

السياسة والصور الخيالية: إدارة الوعي والمصالح في عالم متشابك
بقلم: نجم الدين ياسين (منطق الـ 40 تريليون خلية)
مقدمة
السياسة لا تُبنى على القوانين وحدها، بل على الصور الذهنية والخيالية التي تُستخدم لإدارة المشاعر الجماهيرية وتوجيه السلوك. الصور الخيالية صادقة نفسياً لدى الفرد، لكنها ليست حقيقة موضوعية، وقد تتحول إلى أداة تحكم أو أداة تضليل، بحسب كيفية توظيفها من قبل الأنظمة أو الأطراف الفاعلة.
أولاً: الصورة الخيالية كأداة سياسية
الأنظمة السياسية تبني صوراً قوية في وعي الجماهير:
رموز قيادة تُقدس أو تُخيف
أعداء خارجيون أو تهديدات مبالغ فيها
شعارات وأيديولوجيات تحرك المشاعر أكثر من العقل
هذه الصور تخلق ولاءً، خوفاً، أو توقعات محددة، لكنها غالباً مشوشة عند الجماهير عند انتقالها من صانع الصورة إلى الأتباع، كما يحدث مع الصور النبوية التي كانت صادقة في التجربة الفردية لكنها تتحول إلى رموز جامدة عند الجماهير.
ثانياً: الغياب والخيال والمصالح
عندما يغامر النظام السياسي في الغيابات (الغياب عن الميدان الواقعي، أو تجاهل التفاصيل)، فإنه قد يضحي بنظامه الداخلي وبسير الأحداث إلى النهاية، سواء تجاه حلفائه أو أعدائه:
الأطراف الأخرى تدرس وتختبر تصرفاته
كل صورة خيالية تبني توقعات حول النتائج المحتملة للصراع
الضرر المتوقع يصبح جزءاً من الصور الذهنية للنظام، حيث يتم رسم سيناريوهات الدمار الشامل والفوضى وتأثيرها على الإقليم، حتى قبل حدوثها فعلياً. هذا يسمح للنظام بتقدير المخاطر، ولكنه قد يؤدي أيضاً إلى تضخيم الخوف الجماعي أو تعطيل المبادرة الفردية والجماعية.
ثالثاً: الصور كأداة للتقدير والسيطرة
الصور الخيالية ليست فقط للتحكم بالمشاعر، بل تُستخدم لتقدير ردود الفعل المحتملة للأطراف الأخرى.
الفكرة الأساسية: كل طرف يبني توقعاته على صور ذهنية للواقع، تشمل المخاطر والتداعيات، حتى لو لم تتحقق جميعها.
هذه العملية تجعل النظام قادراً على وضع استراتيجيات احترازية أو هجومية بناءً على الفوضى المتوقعة، وتحليل التأثير الإقليمي والسياسي.
إعجابإعجاب