
لم تعد البايولوجيا المعاصرة تنظر إلى الجينات بوصفها نصوصًا مغلقة لا تتأثر إلا بالطفرات العشوائية البطيئة، بل بات واضحًا، وعبر آلاف الدراسات في الوراثة الجزيئية وعلم التخلّق (Epigenetics)،أن التجربة الحياتية والضغوط البيئية والصدمات الفيزيولوجية وأنماط التغذية والتعرّض للسموم، يمكنها أن تترك بصمات قابلة للتوريث عبر الأجيال، دون تغيير تسلسل الـDNA ذاته.
في ضوء هذه الثورة العلمية، يفتح المشروع الميتابايولوجي بابًا جديدًا لإعادة قراءة حادثة “أكل آدم من الشجرة” لا باعتبارها مجرد عصيان أخلاقي، ولا بوصفها أسطورة رمزية مجردة، بل بوصفها حدثًا تأسيسيًا فيزيولوجيًا-أنطولوجيًا، أحدث اضطرابًا طويل الأمد في بنية الإنسان الحيوية والإدراكية، وجرى توريث آثاره عبر قانونٍ بايولوجي لم يكن معروفًا في العصور السابقة، ألا وهو قانون التوريث الإبيجيني للأضرار.
ومن هنا يُقترح مصطلح الميتاجينيتكس (Metagenetics) بوصفه القلب العلمي-الفلسفي للميتابايولوجيا، وهو حقلٌ مفاهيمي يدرس كيف تتحوّل الصدمات التأسيسية الكبرى في تاريخ النوع البشري إلى بصمات موروثة تشكّل السلوك والوعي والمرض والبنية الحضارية.
ولكن ما الذي أثبتته الأبحاث البايولوجية المعاصرة؟
1. التوريث خارج الشفرة الوراثية، فالأبحاث الحديثة أظهرت أن:
• أنماط “مثيلة” الجينات (DNA methylation) قد تنتقل عبر الأمشاج.
• التغييرات في الهيستونات تؤثر في تشغيل الجينات أو إخمادها.
• صدمات المجاعات الكبرى (كما في هولندا خلال الحرب العالمية الثانية) تركت آثارًا استقلابية ونفسية لدى الأحفاد.
• التعرّض للضغط المزمن والسموم وسوء التغذية، ارتبط بزيادة أمراض القلب والسكري والقلق واضطرابات المناعة عبر أجيال لاحقة. وهنا يظهر تحول جذري مفاده أن التجربة لا تموت مع صاحبها، بل قد تُكتب في الجسد وتُسلَّم إلى ذريته.
ووفق هذا المنظور، لا تعود الأمراض المزمنة واضطرابات القلق والانفعالات المبالغ فيها ونزعات الاكتناز والخوف والعدوان، مجرد حوادث فردية معزولة، بل يمكن النظر إليها باعتبارها أعراضًا لتاريخ طويل من الصدمات الموروثة. وهذا يتقاطع مباشرة مع فرضية الميتابايولوجيا حول الخلل البنيوي الذي أصاب الإنسان بعد التحويلة التطورية الأولى الناجمة عن أكل آدم من الشجرة، خللٌ في دوائر الخوف وتقدير المخاطر والعلاقة بالزمن والاستجابة للندرة.
ضمن الإطار القرآني، لا تُعرض حادثة الشجرة كواقعة أخلاقية منعزلة، بل كتحوّل وجودي شامل:
• خروج من نمط كينونة إلى نمط تواجد.
• إدراج الإنسان في نظام سببي-تاريخي.
• انتقال إلى عالم الندرة والعمل والخوف والموت.
ففي القراءة الميتابايولوجية، تُفهم هذه اللحظة بوصفها صدمة إدخالية للنظام الحيوي البشري. فهذه الصدمة لم تكن صدمة نفسية فحسب، بل جسدية-تنظيمية أصابت منظومات الاستقلاب والاستجابة العصبية وضبط الدوافع.
وإذا كان العلم الحديث يقرّ بأن الصدمات الحادة قادرة على إعادة برمجة التعبير الجيني، فإن السؤال المشروع يصبح: ماذا لو كانت هذه “الشجرة” تمثّل لحظة إعادة برمجة تأسيسية للنوع البشري نفسه؟
والآن، بإستطاعتنا ان نرصد المسار التطوري الذي انتهجته الميتابايولوجيا في رحلتها التأسيسية “من الجين إلى الحضارة”، وذلك عبر متابعة الحلقات التطورية التالية:
1. الحلقة البيولوجية، فالحدث التأسيسي في هذا النموذج أحدث اضطرابًا في التوازن العصبي-الهرموني، وهذا الاضطراب ترك بصمات إبيجينية، انتقلت البصمات إلى الذرية وتراكمت عبر آلاف الأجيال، فتحوّل الخوف الوقائي إلى رعب والحذر إلى قلق وجودي والبحث عن الغذاء إلى جشع والمنافسة إلى صراع حضاري.
2. الحلقة الإدراكية، ترافق هذا مع تغيّر في أنماط الإدراك، وذلك بتضخيم التهديدات والميل إلى الإسقاط الأسطوري وصناعة الآلهة الوهمية والانجذاب للسلطة والهروب إلى الأيديولوجيات. وهي كلها سمات درستها علوم الإدراك المعاصرة بوصفها انحرافات تكيفية ولكن الميتابايولوجيا تراها أعراضًا لجرح تأسيسي أقدم بكثير.
3. الحلقة الحضارية، هذه الحلقة تُترجم في نشوء الإمبراطوريات والعنف الدوري وهوس السيطرة والاقتصاد القائم على الندرة وسباقات التسلح والقلق الوجودي الجمعي. فتغدو الحضارة امتدادًا مضخمًا لاضطراب بايولوجي قديم.
إن هذا الطرح يواجه اعتراضًا شائعاً مفاده أن كيف يُعقل أن يُحمَّل الأبناء تبعات فعلٍ قام به أحدٌ آخر وإن كان الأب الأول؟ والجواب يكمن في ضوء ما كشفته البايولوجيا المعاصرة، إذ صار أوضح من أي وقت مضى؛ فنحن لسنا بحاجة إلى افتراض عقاب أخلاقي موروث؛ إذ يكفي الاعتراف بوجود قانون طبيعي فيزيولوجي اسمه: انتقال آثار الضرر. فكما لا يُلام طفل على إصابته بمرض وراثي نتج عن تعرّض والديه للسموم، كذلك لا يُقرأ أثر الشجرة بوصفه حكمًا أخلاقيًا لاحقًا، بل أثرًا تكوينيًا انتقل بفعل قوانين الحياة نفسها. وهنا يتحول الخطاب من الدفاع الفلسفي إلى التفسير العلمي-الأنثروبولوجي.
تقترح هذه المقالة إدخال مصطلح “الميتاجينيتكس” للدلالة على حقلٍ بحثي يختصّ بدراسة انتقال التحوّلات الوجودية الكبرى عبر الآليات الجينية والإبيجينية، ورصد أثر هذه التحوّلات في تشكيل أنماط الوعي والسلوك والبنى الاقتصادية والسياسية، وكذلك في مسارات الانحراف عن جادة الدين القويم. فهذا المفهوم لا يقوم على تتبّع وراثة الصفات البيولوجية، بل يتجاوزها إلى مستوى أعمق، إذ يتناول وراثة الشرط الإنساني ذاته.
يتبين لنا، وبتدبر كل ما تقدم، أنه إذا كانت التحويلة التطورية الأولى قد أُدخل فيها الإنسان إلى عالم الاختلال البنيوي عبر صدمة بيولوجية-وجودية، فإن التحويلة التطورية الثانية، التي كشفت عنها النقاب الميتابايولوجيا والميتاجينيتكس، قد تمثّل محاولة غير واعية للهروب من هذا الإرث عبر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
غير أن السؤال الجوهري يبقى: هل نحن بصدد معالجة الخلل القديم؟ أم بصدد إعادة إنتاجه على مستوى رقمي-اصطناعي أوسع؟ هنا تلتقي البايولوجيا بالميتافيزياء والجين بالأسطورة والشجرة بالخوارزميات.
