
يزعم البعض أنَّ القادةَ العرب، بعد صدور القرار الدولي القاضي بتقسيم فلسطين يوم 29 نوفمبر 1947، كان يتوجب عليهم القبول بهذا القرار، وأنَّهم لو كانوا قد قبلوا به لما أصبح حالُ القضيةِ الفلسطينية اليوم على هذا القدر من البؤس وانسداد الأفق. وهذا ظنٌّ قد شاعَ في أوساط الكثير من المحللين الذين فاتهم أن يتبيَّنوا حقيقةَ الصراع القائم بين أصحاب الأرض الأصليين وأولئك الذين قدموا إلى هذه الأرض مدفوعين بأجنداتٍ لا سبيلَ لمقارنتِها بالأجندة البسيطة لأصحاب الأرض الأصليين. فالأمر لا يتعلق بمعاهدةٍ أو اتفاقية، طالما كانت تلك الأجندات تشتمل على ما يدفع بأصحابِها إلى فعلِ كلِّ ما يقتضيه الأمر لتنفيذِها وتجسيدِها على أرضِ الواقع. فحتى لو كان القادةُ العرب قد قبلوا بقرارِ التقسيم هذا، فإن ذلك لم يكن ليحولَ دون أن يتحينَ الوافدون من أوروبا وإنكلترا وأمريكا وكندا واستراليا الفرصةَ المناسبة للانقضاضِ على السكان الأصليين، متذرعين بهذه الذريعةِ أو تلك لتبريرِ توسُّعِهم الاستيطاني الاستعماري وطردِهم لسكان الأرض الأصليين. ويبرهن على ذلك ما بوسعِنا أن نتبيَّنَه متسلحين بما تأتى لعلمِ النفس السياسي من كشفِ النقاب عنه بشأن سلوكيات الاستعمار الاستيطاني التوسعي على امتداد الجغرافيا البشرية وعبر التاريخ الإنساني كله. ولنا فيما فعله المستعمرون المستوطنون الوافدون إلى أمريكا الشمالية بسكانها الأصليين، فهل وقفت في وجهِ ذلك الاستعمار الهمجي المتوحش أيُّ اتفاقيةٍ أو معاهدةٍ أبرمها السكانُ الأصليون مع هؤلاء الوافدين الجدد؟
إن التاريخ يشهد بأنَّ ما من وثيقةٍ تعاهدَ عليها هؤلاء وأولئك إلا وكان مصيرَها الخرقُ من جانبِ المستعمر المستوطن المحتل. فما الذي يدعونا إذاً على الاعتقاد بأن مستعمري فلسطين كانوا ليلتزموا بقرار التقسيم لو كان العرب قد قبلوا به آنذاك؟ إن استعراضَ التاريخ المعاصر للأحداثِ التي شهدتها أرضُ فلسطين يبين لنا أنَّ ما من شيءٍ بوسعِه أن يوقفَ المستعمرين الوافدين الجدد عن إتمامِ مشروعِهم الاستيطاني التوسعي، والذي لا قيام له إلا بقضمِ المزيد والمزيد من الأرض. فما من ميثاقٍ أو معاهدةِ أو اتفاقية كان لها أن تجعل هؤلاء يرتدعون عن إنفاذِ أجندتهم وإكمالِ مشروعِهم. فإطلالةٌ عاجلة على التاريخ المعاصر كفيلةٌ بجعلِنا نكفُّ عن إلقاء اللوم على القادةِ العرب بعد صدور قرار التقسيم وتحميلهم وزر كلِّ المآسي والحروب التي لم يكن المتسببُ فيها، في حقيقةِ الأمر، إلا المستعمر المستوطن القادم من وراء البحار.
