
لا ضير في أن يأتي المرء بجديد، ويستوي في ذلك إن كان هذا الجديد من بنات أفكارِه أَم عِلماً تأتى له أن يحيطَ به وكان من قبل ذلك بعيداً عن متناول الأفهام. أما أن لا يُحسن المرءُ فهمَ النَّص القرآني، فيحسب أنَّ ما ينطوي عليه من معنى يؤيد ما جاء به من جديد، هكذا ومن دون أن يشهد النص له بذلك، فلا أحد سيكون مُلزماً بأن يأخذَ ما انتهى إليه من نتائج على أنها مسلَّمات من غير الجائز التشكيك بها. فأن يكونَ الأنبياءُ “معصومين” من الوقوعِ في الزلل هو أمرٌ منطقيٌّ ومعقول. أما أن يُستدَل على ذلك بتأويلِ آيةٍ قرآنيةٍ تأويلاً يجعل معناها يتفق مع هذا الطرح، فذلك أمرٌ لا يمكن القبولُ به.
وخيرُ مثال على ذلك هو ما شاع فينا وذاع من تفسيرٍ لقولِ اللهِ تعالى مخاطباً رسولَه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) (من 67 المائدة)، مؤداه بأن هذه العصمة هي فضلٌ من اللهِ تعالى على رسولِه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم يعصمه من الوقوعِ في الزلل. وهذا ما لا تنطوي عليه كلمةُ “يعصمك” من معنى. فتدبُّرُ الآيةِ الكريمة التي ترِد فيها هذه الكلمة ينبئُنا بأنَّ المقصود منها هو توكيد من اللهِ تعالى لرسولِه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم بأنه في عصمةِ اللهِ تعالى، وأنه حافظه من أن ينالَ منه ما يحول دون أن يبلِّغَ الرسالةَ التي أوكل اللهُ تعالى إليه أمرَ تبليغِها لقومِه: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) (من 67 المائدة).
فتدبر جميع المواضع القرآنية التي وردت فيها العصمة يكفل لنا أن نتبيَّنَ أن ليس فيها ما يتوافق مع ما يقول به أولئك الذين يريدون أن يستدلوا على صوابِ مفهومِهم للعصمة بأنها حفظٌ من الوقوعِ في الزلل:
• (قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً) (من 17 سورة الأحزاب).
• (مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ) (من 27 يونس).
• (قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ) (من 43 هود).
• (وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ. يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ) (من 32- 33 غافر).
