أحمد زكي… فيلسوف “العربي” وهندسة الانبعاث المعرفي

كان المشروع المعرفي للدكتور أحمد زكي يمثل جسراً فريداً عَبَرَ فوقه العقل العربي من الانغلاق التقليدي إلى آفاق العلم الحديث، دون أن يفقد هويته الفكرية أو الثقافية؛ حيث أنه لم يكن مجرد رئيس تحرير، بل كان “قائد أوركسترا” لنهضة فكرية خاطبت الوجدان والعقل في آن واحد.
حين تسلم الدكتور أحمد زكي رئاسة تحرير مجلة “العربي” الكويتية عند تأسيسها عام 1958، لم يردها مجرد مجلة ثقافية عابرة، بل أرادها جامعة شعبية مفتوحة. حيث أنه نجح في تبسيط أعقد النظريات العلمية ليقدمها للقارئ العادي بلغة رصينة وجذابة. فلقد خاطب أحمد زكي الفلاح والعامل والطالب، مؤمناً بأن المعرفة حق مشاع للجميع، وأنها الوقود الحقيقي لأي “انبعاثة فكرية” منشودة.
ولقد كانت مقالات الدكتور أحمد زكي الافتتاحية في “العربي” تمثل مدرسة قائمة بذاتها. ولعل درة تاجه المعرفي هي سلسلة المقالات التي جمعها لاحقاً في موسوعته الشهيرة “وحدة الخلق تجلٍّ لوحدة الخالق”. ومن مقولات الدكتور أحمد زكي التي علقت بذاكرة قراءه ومتابعيه: “إن العلم لا ينقض الإيمان، بل هو الطريق الأقصر إليه؛ فكلما غصنا في أسرار الذرة أو اتساع المجرة، وجدنا قانوناً واحداً يحكم هذا الكون الفسيح.” ففي هذه المقالات، لم يقدم الدكتور أحمد زكي علماً مجرداً، بل قدم رؤية كونية. ولقد أثبت هذا المفكر الموسوعي الرائد أن التأمل في الطبيعة (البايولوجيا، الفيزياء، الفلك) هو من أرقى درجات العبادة؛ حيث أنه كان يربط بين أصغر الكائنات وأعظم النجوم ليؤكد على وحدة الصانع عبر وحدة القوانين التي تحكم الخلق.
ولم تكن كلمات أحمد زكي “حبراً على ورق”، بل كانت دعوة للنهوض. فقد أسس لمنهج “العلم للجميع”، وأحدث صدمة إيجابية في العقل الجمعي العربي، محفزاً الأجيال على السؤال والبحث والتجربة؛ حيث أنه كان يرى أن الانبعاثة الفكرية تبدأ من الدهشة، وتنتهي بـ العمل.
إن إعادة قراءة مشروع الدكتور أحمد زكي اليوم ليست ترفاً فكرياً، بل هي استحضار لنموذج “المثقف الموسوعي” الذي نحتاجه بشدة؛ ذلك الذي يجمع بين صرامة المنهج العلمي، وعذوبة البيان الأدبي، والغيرة الصادقة على مستقبل الأمة. لقد ترك لنا الدكتور أحمد زكي في “وحدة الخلق” خارطة طريق تؤكد أن العلم هو لغة الله في الكون، وأن فهمنا لهذه اللغة هو سبيلنا الوحيد للحاق بركب الحضارة.

أضف تعليق