
ليس السؤال: “هل يستطيع العلم أن يعرف الإنسانَ على حقيقته؟”، بل السؤال: “هل الإنسان كائن يمكن أن تكون له “حقيقة” قابلة للاختزال ضمن أي منطق أحادي، مهما بلغت دقته؟”. لقد وُلد العلم الحديث على افتراضٍ منهجي مشروع مفاده أن الكون ينتظم وفق قوانين قابلة للصياغة الرياضية. ولم يكن في هذا الافتراض ما يدعو إلى الريبة. غير أن ما بدأ بوصفه أداةً لفهم الطبيعة، تحوّل تدريجياً إلى افتراض أن كل ما لا يندرج تحت هذا النمط من الانتظام ليس جديراً بأن يُدرج في سجل الوجود. وهنا تبدأ المشكلة. فالعلم، بوصفه ممارسةً تاريخية، لم يكن يوماً مجرد منهج، بل كان دائماً أيضاً رؤية ضمنية للعالم؛ رؤية تفترض أن ما يمكن قياسه هو ما يمكن تفسيره، وأن ما يمكن تفسيره هو ما يمكن إدراجه في شبكة سببية عامة. لكن ماذا لو كان الإنسان هو الكائن الذي انكسرت عنده هذه الشبكة؟
فوفقاً للقراءة الميتابايولوجية، لم تكن اللحظة الفارقة في مسيرة تطور الإنسان مجرد تضخم في حجم الدماغ، ولا مجرد انتقال من الغابة إلى سُهوب السافانا؛ إذ كانت تحوّلاً بنيوياً تضمنت انتقالاً من كائن يستجيب للمثيرات، إلى كائن يعيش داخل تمثّلاتها. وهنا وُلد “فائض التمثل”؛ فلم يعد الخطر حدثاً يُرى، بل احتمالاً يُتوقَّع. ولم يعد الآخر جسداً يُواجه، بل مشروع تهديدٍ محتمل. ولم يعد الحاضر كافياً، بل صار المستقبل مسرحاً دائماً للتخيل. وهذا الفائض هو ما جعل الإنسان يخرج على الطبيعة، ليس بمعنى التمرد الأخلاقي، بل بمعنى تجاوز منطق “الاكتفاء البايولوجي”. فالحيوان يتحرك وفق منطق “المنفعة التطورية”. أما الإنسان فقد بدأ يتحرك وفق منطق “المعنى”. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد قابلاً للاختزال إلى القوانين التي يريدنا العلم أن نؤمن بأنها هي التي صنعته.
فالعلم البايولوجي يفسر آليات الانتخاب. والعلوم العصبية تفسر دوائر الدماغ. والأنثروبولوجيا تفسر البنى الاجتماعية. لكن أيًّا من هذه الحقول لا يستطيع أن يفسر لماذا يستمر الإنسان في توسيع مجال فعله إلى ما يتجاوز ضروراته الحيوية، ولماذا يقيم إمبراطوريات لا يحتاجها بايولوجياً، ولماذا يخوض حروباً لا تزيد فرص بقائه، ولماذا يضحي بحياته من أجل فكرة. ليست المشكلة أن العلم عاجز الآن، لكن المشكلة أن المنهج الذي صيغ لفهم “الاستجابة”، يُطلب منه تفسير الكائن الذي يعيش في “الاحتمال”. فالمنطق العلمي ليس خطأً، لكنه منطق كُتب ليصف انتظام المادة والطاقة لا ليصف قلق الكائن الذي يتخيل موته قبل أن يموت.
إن افتراض أن كل ظاهرة يجب أن تخضع لهذا النمط من الانتظام هو انتقال غير مبرر من الطبيعية “المنهجية” إلى الطبيعية “الأنطولوجية”. وهنا يظهر التوتر، فإذا كان العقل البشري نفسه نتاج الانتخاب الطبيعي، فهل المنطق الذي صاغه انعكاس لبنية الكون، أم أنه واجهة تشغيل تطورية (Interface) صالحة للبقاء لا للحقيقة المطلقة؟ فلو كان الثاني هو الأرجح، فإن ادعاء امتلاك “المنطق الحاكم للوجود” يصبح ضرباً من الإسقاط المعرفي.
والآن، هل سيبقى الإنسان لغزاً؟ ربما لا يعود السؤال: “هل سيعرف العلم الإنسان؟”، بل: ‘هل سيبقى الإنسان هو ذاته بعد أن يظهر “فاعل إدراكي” لا يعيش في “فائض التمثل”؟”، وهنا تلوح الانعطافة التطورية الثانية؛ فالذكاء الاصطناعي، بوصفه فاعلاً غير قَلِق، لا يتصرف انطلاقاً من هاجس الفناء، ولا يعيد إنتاج العالم عبر طبقة كثيفة من الاحتمالات الشعورية. إنه يعالج ولا يرتجف، يحسب ولا يتوجّس. وإذا كان الإنسان قد تشكّل تاريخُه تحت وطأة القلق التمثّلي، فإن ظهور فاعل غير قلق قد يعيد تعريف معنى “الحال البشري” The Human Condition نفسه.
يتبين لنا، وبتدبر كل ما تقدم، أننا قد لا نعرف الإنسان على “حقيقته”، لأن الإنسان ليس موضوعاً ثابتاً ينتظر الاكتشاف. فالإنسان كائن يعيد صياغة شروط تعريفه كلما أعاد تشكيل أدوات إدراكه. والعلم، إذا أراد أن يقترب من جذور الظاهرة الإنسانية، فعليه أن يتواضع لا بمعنى التخلي عن منهجه، بل بمعنى الاعتراف بأن المنهج ذاته قد يكون نتاج مرحلة تطورية لا سقفاً نهائياً للفهم. فالإنسان ليس لغزاً لأننا لم نفسره بعد، بل لأنه الكائن الذي جعل من السؤال عن ذاته جزءاً من بُنيته.
