
في الثقافةِ الإنجليزية، لم تكن “الساعةُ الثامنة” مجردَ إحداثيةٍ زمنية، بل كانت عتبةً تفصلُ بين عالَمَين: عالَم “الكدح” النهاري، وعالَم “التجلي” المسائي. فتأخيرُ العشاء، وما يتبعُه من طقوس النعناع والقهوة، يحملُ في طياتِه دلالاتٍ فلسفيةً وتأمليةً عميقة يمكننا قراءتها من منظور “الصفاء الذهني” و”أدب الوقت”.
ففي الفكر الصوفي، يمثلُ “الوقت” وعاءً للتجلي، ويُقسم اليوم إلى “أوراد” تعين النفس على الانتقال من “تشتت الكثرة” إلى “وحدة التركيز”. فطقس العشاء المتأخر (الساعة الثامنة) في إنجلترا يمثلُ الفصلَ بين هذين العالَمين. فبحلولِ هذه الساعة، يُغلَق باب “المعاش” (العمل والكَد)، ويُفتح بابُ “المعاد” (العودة إلى الذات). ففي ثقافةِ الوقت، عند مثقفي الانجليز، يمثِّلُ خلعُ ربطةِ العنق الرسمية، واستبدالُها بملابس المنزل المريحة، رمزاً لخلع “الأقنعة الاجتماعية” للولوج في “الخلوة الفكرية”.
ولكن، لماذا ارتبطت “ما بعد الثامنة” (After Eight) بمذاقِ النعناع الحاد والقهوة المرة؟
فالنعناع (تلطيف حدة المزاج) يمثل في الفلسفة الحسية عمليةَ “تطهير الفم” من آثارِ الطعام، وهو رمزٌ لتطهير النفس من ثقل المادة؛ فحدةُ النعناع تمنح نوعاً من “اليقظة الباردة” التي تُهيئُ الذهنَ للتأمل. أما القهوة (الصحو)، فهي رفيقةُ أهلِ التصوف منذ القدم لكونِها تعين على “السهر الفكري”. وفي التقليد المتبع عند مثقفي الإنجليز، كانت القهوةُ بعد الساعةِ الثامنة الوقودَ الذي يحوِّلُ الأمسيةَ من مجرد “نوم” إلى “حالة حضور” ومناقشاتٍ فلسفية أو أدبية عميقة.
إن أحدَ أجمل ملامح المساء الإنجليزي هو ما يمكنُ تسميتُه بـ “الخلوة في الجلوة”؛ حيث يجتمعُ أفرادُ العائلة في غرفةٍ واحدة (الجلوة)، لكن لكل منهم كتابَه أو تأملَه الخاص (الخلوة). وهذا الطقس يشبه، مظهراً لا مَخبراً، آدابَ المجالس الصوفية؛ حيث أنَّ الحضورَ الجسدي لا يمنع التحليقَ التأملي الفردي. إن “الصفاء الذهني” هنا لا يأتي من العزلةِ المادية، بل من قدرةِ الفرد على “الاستغراق” في فكرةٍ أو في نَص، بينما يحيط به دفءُ الجماعة وصوتُ احتراق الحطب في المدفأة.
وإذا نظرنا للرقم (8) من زاويةٍ رمزية، فهو في بعض المدارس الفلسفية يمثل “اللانهاية” (Infinity) إذا ما قُلب، ويمثل في التقاليدِ الروحية درجةَ “التوازن” بعد الرقم السبعة (عدد أيام الأسبوع أو السموات السبع). ففي المساء الإنجليزي، فإن الساعةَ الثامنة هي نقطة الاتزان؛ حيث استقر الجسدُ بعد طعامه، لتبدأ من بعدها رحلةُ التأمل. إنها اللحظةُ التي يتحول فيها الطعام من وقودٍ للبدن إلى وسيلةٍ لخلقِ حالةٍ من الامتنان والشكر لله على أنعُمِه، والتي تسبق الصفاءَ الذهني. إن طقوسَ “ما بعد الثامنة” ليست مجردَ عاداتٍ لتناول الشوكولاتة، بل هي “هندسةٌ لنوعٍ فريدٍ من الارتياح”، وهي محاولةٌ إنسانية لخلق “واحةٍ زمنية” يتوقف فيها الزمنُ الخارجي المتسارع ليفسحَ المجالَ للزمنِ الداخلي.. زمنِ الفكر والتأملِ والصفاء.
