أيهما أقربُ إلى الحقيقة: الروائية ليلى سلماني أم الروائي آلان فينكيلكراوت؟

العنصريون يتشدقون بما هم أبعدُ الناسِ عن التحلِّي به من كلِّ قيمةٍ من القِيَم التي تواضع الناس، ومنذ أولى المجتمعات البشرية، على اعتبارِها ما تتمايز به الأمةُ الفاضلة عن الغوغاءِ والدهماء وسقط المتاع. فالعنصريون يتوهمون أنهم محقون طالما كان ما يشغلهم هو هذا الحرصُ “الفطري” على “الكيانِ الميتافيزيقي” للعِرق الذي ينتمون إليه. وهذا الكيان المتوهَّم، كما يظنُّ هؤلاء، يمنحهم الشرعيةَ التي تخوِّلُهم أن يفعلوا كلَّ ما يرونه مناسباً للمحافظةِ على ديمومةِ هذا العِرق، وإن اقتضى ذلك منهم أن ينسجوا من الخرافاتِ والأساطير ما يطمئنُ عقولَهم، قبل قلوبهم، بأنهم منتصرون، وأنَّ السيادةَ المطلقة قد عُقِدَ لواؤها لهم منذ الأزل! ولذلك تراهم، في أوقاتِ السِّلم، يُشهِرون سيفَ اللغة في وجهِ كلِّ مَن يدعو إلى التخفُّفِ من أحمالِ الماضي التليد، وإن كانت هذه الدعوةُ تبتغي المزاوجةَ بين خيرِ ما في لغةِ الأقدمين وخيرِ ما في جديدِ المحدَثين، وذلك من دون أن يطغى أحدُهما على الآخر.
وهنا لابد من أن نقارنَ بين اثنين من أدباءِ فرنسا القرن الحادي والعشرين، أحدهما مفكر مخضرم يعشقُ اللغةَ الفرنسية الكلاسيكية حدَّ العبادة، الأمرُ الذي يجعلُه عنصرياً حتى النخاع بهذا الحرصِ المَرَضي منه على الوقوفِ بحزمٍ ملحَمي في وجهِ الدعاة إلى تحديثِ الفرنسيةِ الكلاسيكية وإضفاءِ ما تقتضيه ظروفُ العصر على قواعدِها وأساليبِها وما كان يعتبَر لقرون محدِّداتِ جمالياتِها. أما الآخر، فهي أديبةٌ محدَثَةٌ مغربيةُ الأصل تتقنُ الفرنسيةَ فكراً وثقافةً وتاريخاً كما لا يفعلُ السوادُ الأعظم ممن ولِدوا لأبوَين فرنسيين بالولادة، ولكنها مع ذلك تتحدث لغةً فرنسية برشاقةٍ يعجز عنها صاحبُنا المخضرَم!
فبينما يصرُّ آلان فينكيلكراوت على أن تبقى لغةُ كورناي وراسين وفولتير هي المرجعُ الذي يقيسُ به كلُّ مَن يروم أن يكتبَ أدباً فرنسياً في هذا العصر، وفي العصور اللاحقة، تجادل ليلى سلماني مدافعةً عن لغةٍ فرنسية معاصرة تتجدد بتجدُّد روافدِها المستجدة، والتي استحدثتها فواعلُ الهجرة وضواغطُ ضواحي باريس، وفي الوقت نفسه فإنها لا تغضُّ الطرف عن كلِّ أسلوبٍ طريفٍ بديع جاء به أدباء فرنسا الكلاسيكيون. فأيهما أقرب إلى الحقيقة: فينكيلكراوت الذي يتوارى من وراءِ حجابِ لغةٍ فرنسية عفا عليها الزمن، أم ليلى سلماني التي نحتت في صخرِ اللغة الفرنسية الكلاسيكية بأدواتٍ محدَثَةٍ عصرية؟

أضف تعليق