هل خوفُ بعضِ المثقفين الفرنسيين على اللغةِ الفرنسية مبرر؟

يبرر كثيرٌ من المثقفين الفرنسيين انحيازَ خطابِهم الفكري صوب مناصرةِ الفكر اليميني المتشدد، الداعي للتعامل بحزم مع قضية الهجرة، بأنهم إنما يدافعون بذلك عن بقاء ونقاء اللغة الفرنسية التي يرون أنها قد اتخذت لها مساراً انحدارياً باتجاه الحضيض جراء ما أضفاه عليها المهاجرون، منذ خمسينيات القرن الماضي وحتى يومِنا هذا، من تغييراتٍ مسَّت رصانتَها اللغوية عبر إضافةِ كلماتٍ غير فرنسية وإبداع أساليب تعبيرية تجافي الذائقة الفرنسية. فهل هذا الخوف مبررٌ حقاً؟ وهل اللغة الفرنسية على هذا القدر من الضعف البُنيوي والوهن العضوي حتى تجنح باتجاه التلاشي والاضمحلال؟ وهل الذي يراه هذا البعض من مثقفي فرنسي حكرٌ على اللغةِ الفرنسيةِ فحسب أَم أنه “شأنٌ عام” تعاني منه اللغات البشرية اليوم كما عانت منه بالأمس البعيد والأمس القريب؟
إنَّ هذا التركيز على الشأنِ اللغوي الفرنسي لَيجعل هؤلاء المثقفين، بتعصُّبِهم للهويةِ الفرنسية، يتخذون ذات الموقف المغالي الذي اتخذه كثيرٌ من مثقفي أوروبا بتحميلهم المهاجرين وزرَ ما آلَ إليه أمرُ لغاتِ بلدانِهم من انحطاطٍ في التعبير وفقرٍ في إيرادِ الكلمات التي تصف الشيءَ، أو الحدث، الوصفَ الصحيح. وهذا إن دلَّ فإنما يدلُّ على افتقارِ هذا الجمع من المثقفين الأوروبيين، ومنهم الفرنسيون، لكل ما يجعل بمقدورِهم أن يتبينوا أنَّ ظاهرةَ تغيُّر اللغة عبر الهجرة، وإثر قدوم المزيد من المهاجرين، هي ظاهرةٌ تاريخية شهدها العالَم منذ آلاف السنين. والأجدى بهذا النفر من المثقفين، فرنسيين وسواهم، أن يستزيدوا من المعرفة التاريخية وبما يكفل لهم أن تجيءَ أحكامُهم متسقةً مع منطقِ التاريخ، عوضَ هذا الجنوح نحو كلِّ ما هو عنصري وشعبوي.

أضف تعليق