السينما الفرنسية (1968-1982) … مختبر الفلسفة وفضاء التجريد

بينما كان الشارع الفرنسي يغلي بالتحولات السياسية بعد أحداث مايو 1968، كانت هناك “ثورة صامتة” تحدث خلف جدران غرف المونتاج وفي قاعات العرض المظلمة. فلم تكن هذه الثورة تهدف لتصوير الواقع المعاش بقدر ما كانت تهدف لـ “فلسفته”. فهذه الحقبة، التي تمتد حتى مطلع الثمانينيات، يمكن تسميتها بحق “الحقبة الفلسفية” للسينما الفرنسية. ففي هذه الفترة، لم يعد السينمائي مجرد “حكواتي”، بل أصبح “مفكراً بصرياً”. لقد تأثر المخرجون بمناخ الجامعات الفرنسية التي كانت تموج بنظريات الوجودية (سارتر وكامو)، ثم البنيوية (ليفي شتروس ولاكان)، وصولاً إلى تفكيكية دريدا. فلقد تميز مثقفو هذه الحقبة بنوع من “الاستعلاء الفكري” أو الانكفاء على الذات؛ حيث كانت النقاشات داخل القاعات الجامعية تدور حول ماهية الكينونة واللغة وموت المؤلف، بينما كان الشارع ينشغل بالخبز والسياسة المباشرة. وقد انتقلت هذه الروح إلى السينما، فأصبحت الأفلام عبارة عن “مقالات بصرية” تناقش مفاهيم مجردة أكثر من كونها تصور أحداثاً يومية.
فلقد شهدت هذه الحقبة معالجة سينمائية فريدة لثلاثة محاور أساسية:
• القلق الوجودي: حيث استمرت تساؤلات الفرد حول جدوى الوجود والحرية الشخصية في عالم يفتقر إلى معنى ميتافيزيقي ثابت.
• الصرامة البنيوية: تأثرت لغة السينما بالبنيوية، حيث أصبح التركيز على “النسق” و”اللغة السينمائية” نفسها كبنية مستقلة، مما أدى إلى ظهور أفلام تكسر السرد التقليدي وتجعل من المشاهد شريكاً في فك الشفرات.
• النزعة اللادرية والتفكيكية: حيث برزت تساؤلات حول استحالة اليقين؛ فصارت الشخصيات تائهة في عالم لا يقدم أجوبة واضحة، حيث “الحقيقة نسبية” والواقع “مجرد تأويل”.
ولقد تجسدت هذه الرؤية في أعمال مخرجين جعلوا من الحوار الفلسفي “بطلاً” للفيلم، ومن أبرزهم:
• إريك رومر، ففي سلسلته “حكايات أخلاقية”، تتحول اللقاءات العابرة إلى مناظرات فلسفية حول الرغبة والدين والقدر.
• جان لوك غودار (مرحلة ما بعد 68) الذي حول أفلامه إلى مختبرات لنقد الأيديولوجيا وتفكيك الصورة والصوت.
• ألان رينيه الذي غاص في فلسفة الذاكرة والزمن، متأثراً بالبنيوية النفسية”.
إن تميز السينما الفرنسية بين عامي 1968 و1982 يكمن في كونها كانت “الوعي الباطن” للمثقف الفرنسي. فلم تكن سينما موجهة للجماهير العريضة بقدر ما كانت حواراً رفيع المستوى بين الفن والفلسفة. ولقد نجحت في تحويل “أزمة المعنى” التي كانت تُناقش في أروقة الجامعات إلى صور حية، مخلدةً بذلك لحظة تاريخية فريدة كان فيها “الفكر” هو المحرك الأول للكاميرا.

أضف تعليق