حين لا يُرى لاعبا الشطرنج يُظنُّ بالأحجارِ أنها تتحركُ من تلقاءِ نفسِها!

يمكن النظر إلى هذه المقولة بوصفها تلخيصًا مكثّفًا لمأزق إدراكي عميق نشأ مع “الانعطافة التطورية الأولى”، أي تلك اللحظة التي خرج فيها الإنسان من اقتصاد الطبيعة المباشر إلى فائض التمثّل. ففي الحالة السابقة على هذه الانعطافة، كان التوازن بين “ما يُرى” و ”ما يُفترض” مضبوطًا بصرامة. فالكائن الحي لا يفترض إلا بقدر ما تدعمه الإشارات الحسية المباشرة. كما أن الفجوة بين الظاهر والخفي كانت ضيقة، لأن البقاء كان مشروطًا بعدم المبالغة في الافتراض. فالذئب لا “يتخيل” نوايا معقدة خلف حركة الفريسة، بل يستجيب لنمط حركي محدد. هنا، فإن الأحجار لا تتحرك إلا إذا دُفعت، كما أن الفاعل حاضر في المجال الإدراكي أو قريب منه. أما بعد الانعطافة، فقد اتسعت هذه الفجوة إلى حدٍّ غير مسبوق. فلم يعد الإنسان يكتفي بما يُرى، بل صار يعيش داخل شبكة كثيفة من الافتراضات. وهنا تصبح مقولة “حين لا يُرى لاعبا الشطرنج يُظنُّ بالأحجارِ أنها تتحركُ من تلقاءِ نفسِها!” مدخلاً دقيقًا لفهم ما حدث؛ فعندما يغيب الفاعل عن المشهد، لا يتوقف الإدراك الإنساني عند حدود الغياب، بل يقوم بملء الفراغ. ولكن هذا الملء لا يتم دائمًا بطريقة صحيحة. ففي غياب “لاعبي الشطرنج”، أي القوى أو البنى التي تحرّك الظواهر، يميل الإنسان إلى أحد مسارين متناقضين ظاهريًا، ولكنهما يصدران عن الخلل ذاته، فإما أن يُسقِط “وكالة” على الأشياء ذاتها، فيتصور أن “الأحجار تتحرك من تلقاء نفسها”، أي أن الظواهر مكتفية بذاتها ولا تحتاج إلى تفسير سببي عميق. وهذا يظهر في النزعات التي تختزل العالم إلى ظواهر سطحية مكتفية بذاتها. أو على العكس من ذلك، إذ يُفرط في الافتراض، فيخترع “لاعبين خفيين” لا دليل عليهما، فيملأ الفراغ بوكلاء متخيلين بصورة مؤامرات أو قوى غيبية مبالغ فيها أو نوايا كامنة في كل شيء. وهنا لا يرى الأحجار كافية بذاتها، بل يرى وراءها شبكة من الفاعلين المتخيلين.
وهذان المساران، رغم تعارضهما الظاهري، يشتركان في كونهما نتيجة مباشرة لاختلال التوازن بين الملاحظة والافتراض.
وتفسر الميتابايولوجيا ذلك بأن الإنسان لم يعد يعمل وفق “اقتصاد التمثّل” الطبيعي، بل دخل في حالة “فائض تمثّلي”؛ وهذا الفائض يجعله غير قادر على التوقف عند المعطى الحسي، فيضطر إلى ملء الفراغات باستمرار. ومع الزمن، يصبح هذا الملء هو القاعدة لا الاستثناء. ومن هنا يمكن إعادة قراءة المقولة بشكل أعمق: “ليست المشكلة في أن الأحجار تبدو وكأنها تتحرك وحدها، بل في أن الجهاز الإدراكي البشري لم يعد يحتمل فراغًا تفسيرياً. فإذا غاب الفاعل الحقيقي (اللاعب)، فإن العقل لا يقبل التأجيل، بل ينتج بدائل: إما إنكار الفاعل أو تضخيمه أو استبداله”. وهنا تتجلى إحدى أخطر نتائج الانعطافة التطورية الأولى؛ إذ لم يعد الإنسان يرى العالم كما هو، بل كما يضطر أن يفسّره كي يهدّئ قلقه المعرفي. وبعبارة أدق، قبل الانعطافة كان الإدراك يخدم البقاء، أما بعدها فلقد أصبح الإدراك يخدم “الحاجة إلى المعنى”، حتى ولو كان هذا المعنى مُختلًا. ولهذا، فإن المقولة لا تتحدث عن الشطرنج بقدر ما تتحدث عن الإنسان نفسه بصفته كائناً لم يعد يرى “اللاعبين”، لكنه لا يستطيع أن يتوقف عن تفسير حركة الأحجار.

أضف تعليق