
دعا النبيُّ موسى ربَّه: (وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي) (26 طه). فعن أيِّ أمرٍ كان يتحدثُ كليمُ الله النبي موسى؟
يعين على تبيُّنِ الإجابةِ على هذا السؤال أن نتدبَّرَ الآياتِ الكريمة 29- 32 من السورة ذاتِها: (وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي. هَارُونَ أَخِي. اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي. وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي). فلقد دعا النبي موسى اللهَ تعالى إذاً أن يُشرِك أخاه هارون في أمرِه الذي سبق وأن دعا اللهَ أن ييسِّرَه له، وهو الأمرُ الذي سبق وأن كلَّفه به اللهُ تعالى إذ قال له: (اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى) (24 طه).
إنَّ ما تقدَّم ذِكرُه قد يبدو للبعض من نافلةِ القول، فلا داعي هناك بالتالي لهذه الاستفاضة في تبيانِه وتفصيلِه على هذا النحو. غير أنَّ هذا الحكم يغفل عن تدبر القرآن كما حضَّ اللهُ الناسَ عليه بقولِه:
• (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) (24 محمد).
• (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) (82 النساء).
• (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ) (من 29 ص).
فدعاء النبي موسى ربَّه أن يُيسِّرَ له أمرَه إذاً لا ينبغي أن يُجرَّدَ من خصوصيتِه، فتُسبَغَ عليه عموميةٌ تجعلنا نغضُّ الطرفَ عن عِظَمِ المهمةِ التي كُلِّفَ اللهُ تعالى بها. فما كان يشغل بالَ النبي موسى حينها لم يكن ليتجاوزَ تلك المهمة الشاقة العسيرة إلى طاغيةِ العصر فرعون الذي كان النبي موسى أعرفَ الناسِ به وبطباعِه وبظلمِه وبطشِه. فالنبي موسى كان لا يفكر حينها بأمرِه كلِّه على مدى ما تبقى من عُمُره حتى يُظنَّ أنه كان يقصد أمرَه ما تقدَّم منه وما تأخر!
ولقد فاقم الأمرَ تجاوزاً لحدودِ النص القرآني أن شرعَ الناسُ في استعارةِ هذا الدعاء الجليل، حتى أصبحوا يدعون الله به لما أهمَّهم من أمورِهم، وهي أمورٌ لا علاقةَ لها، من قريبٍ أو بعيد، بالأمر الذي كُلِّف به النبي موسى، ـوذلك طالما كانت أموراً تتعلق بالدنيا ومشاغلِها وشواغلِها!
وهذا هو عينُ ما عليه الحال حين ترى الناسَ يرفعون على جدرانِهم لوحاتٍ كُتِبَ عليها (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا(، أو (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى)، أو (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ). وهي كلُّها آياتٌ لا تخصُّ أحداً على الإطلاق غير النبي محمد صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم. فمتى ندرك أن للآياتِ الكريمة خصوصيةً ينبغي أن تؤخذَ بِعينِ الاعتبار، فلا ننسى أنَّ لسياقِ النزول وأسبابِه من الحقِّ ما يقتضي منا وجوبَ أن نتدبَّرَ القرآنَ بمعزلٍ عن مشاغلِنا وشواغلِنا التي ما جاء الدينُ الحنيف إلا ليُعينَنا على التطهرِ من كلِّ ما مازجَها من حظوظٍ للنفسِ فيها.
