في معنى قَولِه تعالى “فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ”

أرسلَ اللهُ تعالى غراباً كلَّفه بأن يُرِيَ ابنَ آدم كيف يواري جثمان أخيه الثرى بعد أن طوَّعت له نفسُه، فأطاعها، فقتله غيرةً وحسداً: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ. لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ. إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ. فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ. فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِين) (27- 31 المائدة).
فابنُ آدم الذي قُتِلَ ظلماً وعدواناً استحقَّ أن يتخذَه اللهُ شهيداً، والشهداء عند الله لهم أجرُهم ونورُهم، وهم مكرَّمون من لدن الله بكراماتٍ أولها أنَّ أجسامَهم يحفظها اللهُ بتدخلٍ مباشرٍ من لدنه. وقد حفظت لنا سيرةُ الرعيل الأول من الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله قصصاً يتبيَّن لكلِّ مَن يتدبرها كيف أنَّ عجيبَ تدخلِ اللهِ المباشر قد تجلى حفظاً لأجسامِ الشهداء إثرَ مقتلِهم في سبيلِ الله. ويكفينا هنا أن نستذكرَ قصةَ الصحابي الجليل عاصم ابن ثابت الذي أرسلَ اللهُ تعالى سيلاً حمل جسمَه بعد مقتلِه بعيداً عن قتلتِه الذين كانوا يريدون به شراً.
لذلك أرسلَ اللهُ تعالى الغراب بمهمةٍ تقضي بأن يحفرَ في الأرض بِنيةِ مواراةِ جسم ابن آدم، المقتول في سبيلِ الله، الثرى. وهنا تنبَّه الأخ القاتل إلى ما فاته أن يقوم به بعد قتله لأخيه، فقال “يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي” في الآية الكريمة 31 المائدة أعلاه.

أضف تعليق