الغطرسة المنهجية… من “واجِه واختفِ” إلى خيالات “النقلة التالية بعد العراق”

لا يمكن فهم السياسة الخارجية الأمريكية بمعزل عن المختبرات الفكرية التي تُطبخ بداخلها الاستراتيجيات؛ فهي ليست مجرد مراكز بحثية، بل هي أدوات نفوذ ممولة من أصحاب مصالح يطوعون “الحقيقة” لخدمة التوسع ومراكمة الثروات. وإذا كان كتاب “واجه واختفِ” (Confront & Conceal) قد كشف لنا كيف تدار العمليات السرية وحروب الظل، فإن كتاب “النقلة التالية بعد العراق” (The Next Move Beyond Iraq) يأتي كنموذج صارخ لما يمكن تسميته بـ “الغطرسة الأمريكية” (American Hubris) في أبشع تجلياتها.
إن جوهر المشكلة يكمن في انحراف البحث العلمي عن مقصده. فبدلاً من استشراف الحقائق، تحولت هذه الدراسات إلى “كتالوجات” لتسويق الحروب، وذلك كما يتبين لنا بتدبر ما يلي:
• تزييف الواقع: يتم تبني نتائج معدة مسبقاً لإرضاء الممولين.
• تجاهل الكوارث: فهذه الدراسات لا تنظر إلى الدماء والخراب والهجرات إلا كأرقام هامشية في معادلة النفوذ.
• تأبيد الصراع: تضع مخططات تضمن استمرار الفوضى لعقود، مما يخدم مجمع التصنيع العسكري.
إن المثير للذهول في كتاب “النقلة التالية بعد العراق” ليس فقط في محتواه، بل في التوقيت والمنطق. فبينما كان العراق يغرق في تبعات الغزو من فساد مستشرٍ وتدمير للبنى التحتية وتمزيق للنسيج المجتمعي، كان المخططون يجلسون في غرفهم المكيفة ليقدموا “الخطوة القادمة”. إن قراءة متدبرة لفحوى هذا الكتاب تبين لنا أن مخططي الاحتلال لم يكتفوا بما أنجزوه من فساد، بل شرعوا في بيع أوهام جديدة تتجاهل واقع الحال وما آلت إليه الأمور. فحين نطالع طروحات هذا الكتاب، نجد أنفسنا أمام معضلة عقلية؛ فالمؤلف يطرح رؤى تقفز فوق بديهيات المنطق التي اكتشفتها البشرية عبر العصور.

  1. انفصال عن الواقع: كيف يمكن لعاقل أن يبشر بنجاحات قادمة والنموذج الحالي (العراق) يمثل قمة الإخفاق الأخلاقي والسياسي؟
  2. استغباء واستخفاف المتلقي: فالمؤلف يريدنا أن نشاركه خيالاته الواهمة، ضارباً عرض الحائط بكل القواعد المادية والمنطقية التي تحكم مسارات الدول والشعوب.
  3. تحدي التاريخ: يتجاهل الكتاب أن “العقابيل” أو التبعات المتولدة عن “النقلة الأولى” كانت كفيلة بهدم أي مشروع لاحق، ومع ذلك يستمر في الهروب إلى الأمام.
    يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن كتاب “النقلة التالية بعد العراق” ليس مجرد مؤلَّف سياسي، بل هو وثيقة تدين هذا النهج “المؤدلج” الذي يغلف الطموحات الشخصية والمصالح الضيقة بغلاف “الدراسات الاستراتيجية”. إنها الغطرسة التي تجعل صانع القرار يعتقد أن بإمكانه إعادة تشكيل العالم وفق رغباته، متجاهلاً أن الشعوب ليست أحجار شطرنج، وأن الخراب الذي زرعه في العراق لن يحصد منه إلا مزيداً من التيه الأخلاقي والسياسي. ويبقى السؤال الأهم: إلى متى ستظل العقول البشرية والسياسات الدولية رهينة لأوهام تُكتب في مراكز دراسات لا تبحث عن الحقيقة، بل عن خارطة طريق لمزيد من التوسع والدمار؟

أضف تعليق