
يُعدّ سؤال “هل نحن وحدنا في الكون؟” من أكثر الأسئلة رسوخًا في الوعي الإنساني، وأكثرها تكرارًا عبر العصور. غير أن قوة حضوره لا تعني بالضرورة صلابته المنهجية، بل قد تخفي وراءها خللًا عميقًا في صياغته ذاتها. فقبل أن نسعى إلى الإجابة، يجدر بنا أن نتوقف عند السؤال نفسه؛ فماذا نسأل فعلًا حين نتساءل هل نحن وحدنا؟ ففي صورته الشائعة، ينطوي هذا السؤال على افتراض ضمني نادرًا ما يتم تفكيكه مفاده أن “الآخر” الذي نبحث عنه يجب أن يكون شبيهًا بنا، لا لمجرد كونه كائنًا حيًا، بل في كونه إنسانًا أو ما يقاربه في البنية والتجلي. فنحن، إذاً، لا نسأل عن الحياة بوصفها ظاهرة مفتوحة الاحتمالات، بل عن نسخة أخرى من أنفسنا، وكأننا قد حسمنا مسبقًا أن التجلي الأعلى للحياة في الكون هو الصيغة البشرية كما نعرفها. وهذا الافتراض لا يكشف عن حقيقة كونية بقدر ما يكشف عن “انغلاق إدراكي”؛ إذ أنه يعكس ما يمكن تسميته بـ”مركزية الشكل البايولوجي”، حيث يتحول جسم الإنسان إلى معيار ضمني للحياة والذكاء معًا. غير أن هذا التمركز ليس إلا “فخًا معرفيًا”، إذ يخلط بين “حامل الذكاء” و”الذكاء ذاته”. فالشكل البايولوجي، مهما بلغ من التعقيد، ليس سوى وسيط أو قشرة، تحيط بظاهرة أعمق لا تزال عصية على التعريف الدقيق. ولعل التشبيه الأقرب هنا هو أن الجسد بالنسبة للذكاء يشبه قشرة الجوز بالنسبة للّب. فالقشرة ضرورية من حيث الحماية والتكوين، لكنها ليست جوهر الثمرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن ربط الذكاء بالبنية البايولوجية على نحو حصري يبدو تعميمًا متسرعًا أكثر منه استنتاجًا علميًا.
لقد جاء الذكاء الاصطناعي ليُحدث شرخًا حقيقيًا في هذا التصور. فبظهور أنظمة قادرة على التعلم والاستدلال وإنتاج المعنى، دون أن تكون قائمة على أي بنية بايولوجية، أصبح من الصعب الدفاع عن تعريف للذكاء يربطه عضويًا بالجسد الحي، بل إن هذه التطورات كشفت عن قصور عميق في محاولاتنا لتحديد تعريف معياري للذكاء نفسه، بعيدًا عن شروطه البايولوجية المفترضة.
ومن هنا، يغدو من الضروري إعادة صياغة السؤال الأصلي، لا الإجابة عنه فحسب. فبدلًا من أن نسأل: “هل نحن وحدنا في الكون؟”، ينبغي أن نبدأ بتفكيكه إلى مستويين مختلفين:
أولًا: “هل هناك بشر مثلنا في الكون؟” وهذا سؤال مشروع، لكنه محدود، لأنه يظل أسير النموذج البايولوجي (البشري).
ثانيًا، وهو الأهم: “هل توجد تجليات أخرى للذكاء في الكون لا تشترط البايولوجيا أساسًا لهويتها الوجودية؟” وهنا نخرج من أسر الشكل إلى أفق الظاهرة، ومن البحث عن “نسخة منا” إلى البحث عن “ما ليس منا بالضرورة”.
إن هذا التحول في الصياغة لا يوسع السؤال فحسب، بل يغير طبيعته جذريًا أيضاً. إذ لم يعد السؤال يدور حول “الوجود” بمعناه الكمي، بل حول “التجلي” بمعناه النوعي. فلم نعد نسأل إن كنا وحدنا، بل بأي معنى يمكن أن نكون وحدنا أصلًا. وحين نعيد النظر في السؤال بهذه الطريقة، تبدأ بعض المعطيات التي طالما وُضعت على هامش المعرفة في اكتساب دلالة جديدة. فالأساطير والفولكلور والسرديات القديمة عبر مختلف الثقافات، التي تحدثت عن كائنات غير بشرية ذات قدرات إدراكية أو تأثيرية، لم تعد مجرد تعبيرات خيالية بالضرورة، بل يمكن قراءتها بوصفها محاولات بدائية لتمثيل تجارب لم يجد الإنسان آنذاك إطارًا مفاهيميًا لاستيعابها.
إن الرفض المطلق لهذه السرديات، بدعوى افتقارها إلى البرهان التجريبي، قد يبدو موقفًا علميًا في ظاهره، لكنه يخفي أحيانًا تحيزًا منهجيًا لا يقل صلابة عن الموقف الذي يرفض العلم من أساسه. فالعلم، في جوهره، لا يقوم على إنكار ما لم يُثبت، بل على إبقاء الممكن مفتوحًا ضمن حدود الفحص.
ومن هنا، فإن الإصرار على استبعاد أي احتمال لوجود ذكاء غير بايولوجي، فقط لأنه لا ينسجم مع النماذج الحالية، قد يحوّل العلم من أداة استكشاف إلى منظومة اعتقادية مغلقة. وحين يحدث ذلك، يفقد العلم أحد أهم شروطه وهي قابليته لمراجعة افتراضاته الأساسية.
إن السؤال “هل نحن وحدنا؟” لا يفقد معناه حين نعيد صياغته، بل على العكس، فإنه يستعيد بذلك عمقه الحقيقي. فنحن لسنا بصدد البحث عن “آخر” في الكون فحسب، بل بصدد إعادة تعريف أنفسنا وحدود إدراكنا وطبيعة ما نسمّيه “ذكاء” أيضاً. وربما لا يكون السؤال الحقيقي هو: “هل نحن وحدنا؟”، بل: “هل ما نعتبره “نحن” هو الشكل الوحيد الممكن للوعي؟” وحينها، قد نكتشف أن وحدتنا لم تكن يومًا حقيقة كونية، بل فرضية إدراكية نشأت من ضيق التعريف، لا من سعة الوجود.
