
يمكن تحليل هذه الأسباب من خلال عدة زوايا معرفية وسوسيولوجية:
1. الصراع بين “الحتمية البايولوجية” و”البنيوية الثقافية”.
وهذا هو الجذر التاريخي للخلاف. إذ لطالما خشي تيار عريض من علماء الاجتماع والإنسانيات من أن محاولة تفسير الحرب أو السلام من منظور تطوري (بايولوجي) تعني بالضرورة “الحتمية”؛ أي أن البشر مسيرون بجيناتهم؛ حيث يُنظر إلى المقاربة التطورية أحياناً كأداة “تبريرية” للوضع الراهن. فإذا قيل إن الحرب لها جذور تطورية، يخشى البعض أن يُفهم ذلك كدعوة للاستسلام لها كقدر محتوم، مما يثير حفيظة المصلحين الاجتماعيين والمنظرين الذين يؤمنون بقدرة الثقافة المطلقة على التغيير.
2. التداخل بين العلم والإيديولوجيا (تسييس البايولوجيا)؛ حيث أن البحث في “الطبيعة البشرية” ليس بحثاً في مختبر معزول، بل هو بحث في “هويتنا”. ولكن لماذا لا نجد نظيراً لهذا النقد في العلوم الأخرى؟ لأن دراسة الفيزياء أو الكيمياء لا تمس “كرامة” الإنسان أو تصوراته الأخلاقية بشكل مباشر. أما البايولوجيا التطورية، فهي تمس مفاهيم مثل الجندر والعنف والتعاون والتراتبية الطبقية. فأي استنتاج في هذا المجال يتم إسقاطه فوراً على الصراعات السياسية المعاصرة، مما يجعل النقد يخرج من إطاره العلمي الموضوعي إلى إطار “تصفية الحسابات الإيديولوجية”.
3. تعقيد “النزعة العابرة للتخصصات” (Interdisciplinarity)
فإيجاد أرضية مشتركة بين تخصصات متعددة هو بحد ذاته “جريمة” في نظر “حراس هذه التخصصات”. فالمتخصص في الأنثروبولوجيا الثقافية قد يرى في استخدام بيانات البايولوجيا تبسيطاً مخلاً (Reductionism)، بينما يرى المتخصص في البايولوجيا أن التحليلات الثقافية تفتقر للدقة الإحصائية. وعندما يظهر كتاب موسوعي يحاول الدمج بين هذه التخصصات، فإنه يُهاجم من قِبل “الأطراف” كلِها جميعاً، وذلك لأن كل تخصص يشعر أن منطقته السيادية مهددة، أو أن هذا الكتاب لم يوفِ تخصصه الدقيق حقه من التفصيل.
4. إشكالية “القصص التطورية” (Just-so Stories)؛ حيث يعاني علم النفس التطوري أحياناً من نقد منهجي مشروع يتحول إلى هجوم شرس مفاده اتهام الباحثين بصياغة فرضيات حول الماضي السحيق لا يمكن إثباتها أو نفيها مختبرياً بشكل قاطع. وهذا الفراغ في اليقين يفتح الباب على مصراعيه للنقاد لاستخدام لغة حادة، واتهام المؤلف بأنه يمارس “فلسفة اجتماعية” بزيّ علمي.
ولكن لماذا تزداد ضراوة هذا الهجوم في حالة الكتب الموسوعية؟
الكتب الموسوعية تهدف إلى صياغة “بارادایم” (نموذج معرفي) جديد. وعندما ينجح كتاب في تقديم رؤية محيطية وشاملة، فإنه يمتلك القدرة على تغيير المناهج الدراسية وتوجيه الرأي العام. وهذه “القوة التأثيرية” تجعل الخصوم الأكاديميين يستشعرون الخطر، فينتقل النقد من مراجعة الأخطاء العلمية إلى محاولة “تقويض المشروع” ككل لضمان عدم هيمنة هذه الرؤية.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن الشراسة في نقد هكذا كتب موسوعية نابعة من كونها تمس “العصب العاري” للوعي البشري. فنحن لا نناقش مجرد نظريات، بل نناقش: “هل نحن عنيفون بالفطرة أم مسالمون؟ وهل نملك إرادة لتغيير مستقبلنا أم أننا أسرى لماضٍ سحيق؟” فهذه الأسئلة الوجودية تجعل من البحث البيولوجي التطوري حقل ألغام، حيث يختلط فيه صوت العلم بصوت العاطفة، وصوت الحقيقة بصوت الرغبة في الحفاظ على الإيديولوجيا.
