
في الوقت الذي انشغل فيه الفكر التقليدي بتعريف الإنسان عبر اللاهوت أو الفلسفة المجردة، قرر كل من فيكتور فرانكنشتاين والدكتور مورو نقل السؤال إلى طاولة التشريح. فالتماهي بين هاتين الشخصيتين الخياليتين يتجاوز كونهما “عالِمين مجنونين”؛ وذلك لإنهما يمثلان السعي البشري الحثيث لفك شفرة “الجوهر” عبر هدم “الصورة”. فكلاهما لم يقتنع بالهبات البايولوجية المحدودة للإنسان، فسعيا لصناعة كائن يتجاوز الهشاشة والضعف؛ كائن لا يخضع لضرورات الفناء أو نقص الإرادة.
تشترك الروايتان في نقل المعرفة من حيز “التأمل” إلى حيز “الاقتحام”. فالدكتور فرانكنشتاين يقتحم تلك المحظورات التي أوجبتها حقيقة الموت، جامعاً أجزاءَ “كائنه الجديد” من المقابر، وذلك ليعيد صياغة حياة جديدة مما تخيله عدماً محضاً. أما الدكتور مورو فيقتحم حدود النوع (Species)، محاولاً تطويع الحيوان عبر “التشكيل النفسي والجسدي” (Vivisection) ،وذلك ليجعله إنساناً.
إن هذا التجريب غير التقليدي يعكس إيماناً مطلقاً بأن الحقيقة لا توجد في الكتب، بل في قلب المادة الحية حين تجري استثارتها تحت المبضع أو الصعقة الكهربائية. فـ “المناطق المحظورة معرفياً” هنا هي المنطقة التي تلتقي فيها الإرادة البشرية بالقدرة الإلهية. ويكمن الجوهر الدرامي في العملين في احتقار “الضعف البشري”. فالدكتور فيكتور فرانكنشتاين كان مهووساً بفكرة إقصاء المرض والموت، أي تحصين الكائن الجديد ضد الفناء الذي يتربص بالإنسان. أما الدكتور مورو، فقد كان يسعى لتخليص “الوحش-الإنسان” من غرائزه الحيوانية، محاولاً بذلك صناعة كائن عاقل بالكامل، متجاوزاً بالتالي “حيوانية” الإنسان التي يراها “نقطة ضعفه القاتلة”. فكلاهما سعى للوصول إلى “الإنسان المتسامي” (Transhuman) وذلك قبل صياغة هذا المصطلح بقرون. وكلاهما يرى أن الإنسان الحالي هو “مسودة فاشلة” يجب تصحيحها عبر العلم.
ويظهر التماهي الأعمق بين هاتين الروايتين في النتيجة الكارثية التي انتهت بها الأمور في كلٍ منهما؛ فبمجرد أن يتجاوز العالِم “الحدود الافتراضية” للطبيعة، يجد نفسه أمام كائن يرفضه العالَم. فمسخ فرانكنشتاين يعاني من وعيه بهشاشته النفسية رغم قوته الجسدية، بينما تعاني وحوش مورو من صراع بين “القانون” الذي فرضه مورو عليها وبين طبيعتها الأصلية التي تستحثها كي تعود إليها. وهنا، تبرز المفارقة: ففي محاولتهما للتعالي فوق الضعف البشري، خلق العالِمان كائنات أكثر بؤساً وهشاشة، وذلك لأنها كائنات بلا جذور؛ إذ أنها كائنات وُجدت لتكون “إثباتاً لنظرية” وليس لتكون “جزءاً من نسيج الطبيعة”.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن قراءة ما بين السطور في “فرانكنشتاين” و”جزيرة الدكتور مورو” تكشف عن صرخة تحذيرية من مغبة الانفصال عن “الإنسانية” في سبيل البحث عن “حقيقة الإنسان”. فلقد وصل مورو وفرانكنشتاين إلى الجوهر فعلاً، لكنهما وجداه هشاً لدرجة أنه يتفتت بمجرد محاولة إعادة صياغته مخبرياً. ويبقى الكائن الجديد في الروايتين مرآة تعكس قبح غطرسة العلم حين يتجرد العالِم من المبادئ التي يلهج لسان الطبيعة بها صباح مساء.
