
تنطلق إشكالية العلاقة بين النَّص القرآني وبين تفسيراتِه من مفارقة واضحة مفادها أنه إذا كان النص القرآني قد حسم مسألة التفاضل بين البشر بردِّه إلى التقوى، وهي قيمة لا تُختزل في العِرق أو الثقافة أو الموقع الاجتماعي، فكيف أمكن عبر التاريخ الإسلامي أن تتشكل ممارسات وسلوكيات تقوم على تمييز عرقي أو طبقي أو ثقافي؟ وكيف تحوّلت هذه الممارسات، في نظر بعض الباحثين الغربيين، إلى دليل على أن الإسلام ذاته يشرعنها؟لتحليل هذه المفارقة، لا بد من التمييز بين مستويين: مستوى النص، ومستوى التمثّل التاريخي للنص. فالقرآن، في بُنيته الخطابية، يقدّم تصورًا جذريًا للمساواة بين البشر من حيث الأصل الإنساني، ويقوّض أي ادعاء بتفوق قائم على الانتماء. غير أن هذا التصور، حين ينتقل إلى الواقع، يدخل في شبكة معقدة من العوامل السياسية والاقتصادية والثقافية. وهنا يبدأ ما يمكن تسميته بـ ”الانزلاق التمثلي”، حيث يُعاد تأويل النص أو يُهمّش لصالح أنماط سابقة أو موازية من التفكير، مثل العصبية القبلية أو الامتياز الطبقي.
وهذا الانزلاق لا يُعدّ خاصية إسلامية بقدر ما هو ظاهرة إنسانية عامة فحواها ميل البنى الاجتماعية إلى إعادة إنتاج تراتبياتها حتى في ظل نصوصٍ تقوّضها. غير أن خصوصية الحالة الإسلامية تكمن في أن النص المؤسس فيها واضح في رفض هذه التراتبيات، مما يجعل أي انحراف عنها أكثر وضوحًا، وأشد قابلية لأن يُساء فهمه من الخارج بوصفه جزءًا من الدين ذاته. وهنا يظهر دور القراءة الغربية التي غالبًا ما تتعامل مع التاريخ الإسلامي بوصفه مرآة مباشرة للنص. وهذا الخلط بين “ما هو كائن” و”ما ينبغي أن يكون” يؤدي إلى استنتاجات تختزل الإسلام في ممارسات بعض منتسبيه. فحين تُقرأ أنظمة اجتماعية تمييزية في سياقات إسلامية، دون تفكيك علاقتها بالنص، يُستنتج أن الإسلام يقرّها، بينما هي في كثير من الأحيان تمثل انحرافًا عنه أو تكيّفًا براغماتيًا مع شروط الواقع. ومن هذه الزاوية، يمكن فهم “الإسلاموفوبيا” ليس كرد فعل عاطفي أو سياسي فحسب، بل كنتاج خلل إبستمولوجي في قراءة العلاقة بين النص والتاريخ. فهي تقوم، جزئيًا، على تعميم حالات تاريخية معينة، ثم إرجاعها إلى جوهر الدين دون المرور بمرحلة التحليل النقدي التي تميّز بين “المعياري” و”الواقعي”. فمعيار التفاضل في الإسلام هو ليس ما يظهر للعيان، بل ما يتصل بالبُنية الأخلاقية الداخلية للإنسان. وبهذا، فإن أي ممارسة تمييزية، مهما استندت إلى تقاليدٍ أو أعراف، تظل من منظور قرآني فاقدة للشرعية.
وعليه، فإن استعادة هذا المعيار لا تقتصر على الدفاع عن الإسلام في وجه قراءات خارجية، بل تتطلب أيضًا نقدًا داخليًا يعيد مساءلة التاريخ الإسلامي ذاته. فالتحدي لا يكمن في تصحيح صورة الإسلام لدى الآخر فحسب، بل في إعادة مواءمة الممارسة مع النص، وردِّ التمثّل إلى أصله المعياري.
إن الحل الوحيد لردم الهوة بين فجاجةِ السلوك والممارسة من جهة، ونقاء وطهر النص من جهة أخرى، يتمثل في قراءةٍ قرآنيةٍ لحالِ المسلمين اليوم. وهذه القراءة سوف تكشف النقاب عن انحرافات تاريخية داخلية، وتفكك في الوقت ذاته الأسسَ المعرفية التي تقوم عليها بعض أشكال الإسلاموفوبيا. فهذه القراءة هي ليست مجرد حكم أخلاقي، بل مدخل لإعادة التفكير في العلاقة بين الدين والتاريخ والقراءة المتبادلة بين الثقافات.
