
يُقدم لنا فيلم The Last Mimzy أطروحةً تتجاوزُ حدودَ الخيالِ العلمي التقليدي، ليتحول إلى مختبرٍ فلسفي يدرسُ طبيعةَ النفسِ البشرية في مواجهةِ “الآخر”. فالمفارقةُ الكبرى التي يطرحُها الفيلم تكمن في أن هذا “الآخر” (Alien) ليس سوى امتداد “بايولوجي وزمني” لنا. فالفضائيون (Aliens) ما هم إلا بشرٌ أمثالنا قادمون من “مستقبلٍ جريح”، وهُم يحاولون استعادةَ “براءتِهم” أو شيفرتِهم الجينية المفقودة من خلالِنا.
ينطلق الفيلم من تصويرِ العَجزِ البشري عن إدراكِ أيِّ كينونةٍ مستقلة لا تَدورُ في فلَكِ مفاهيمِنا البشرية المألوفة. فعندما يبدأ الطفلان “نواه” و”مايا” في إظهارِ قدراتٍ استثنائية نتيجةَ تفاعلِهما مع دميةِ “الميمزي”، فإن “مؤسسةَ أبحاثِ الظواهر الخارقة” لا تتعاملُ مع هذه الظاهرة كاحتماليةٍ لـ “تطوُّرٍ ذاتي” أو تواصٍل محتمل مع كينوناتٍ أخرى، بل كتهديدٍ أمني. وهنا يظهرُ العجزُ في أبهى صُوَرِه. فنحن لا نرى في الآخر المختلف إلا مرآةً لمخاوفِنا، ونفشل في مَنحِ “النفس الأخرى” حقَّ الاستقلال عن معاييرِنا الراهنة.
تكمنُ عبقريةُ الحبكةِ في الإشارةِ الضمنيَّة إلى أنَّ هؤلاء الغرباء هم “بشرٌ أمثالُنا”. وهذه الالتفاتةُ تُلغي مفهومَ “الغزو” وتستبدلُه بمفهوم “الاستغاثة”. ومع ذلك، تظلُّ النفسُ البشرية (في سياق الفيلم) أسيرةً لِرَدِّ الفِعلِ الدفاعي. فهذا العجز عن التقبُّل ينبعُ من الخوفِ من “الاستقلالية”؛ فالبشر يخشون أيَّ كيانٍ لا يمكنُ تدجينُه أو فهمُه ضمن الأُطُر البيروقراطية لمفاهيمِنا العقليةِ الضيقة.
فعندما نكتشفُ أنَّ “الفضائيين” هُم “بَشَرُ المستقبل”، يتضحُ أنَّ الرفضَ البَشَري لهم هو في جوهرِه رفضٌ للذات في صورتِها المتطورة أو المتغيرة. إنَّ العجزَ عن تقبُّلِ استقلاليةِ الآخر في الفيلم يعكسُ حقيقةَ أنَّ النفسَ البشرية، حين تنغلقُ على ذاتِها، فإنها تعتبرُ أيَّ خروجٍ عن “النمَط” هو عدوان، حتى لو كان هذا الخروجُ هو طَوقَ النجاة الوحيد للجنسِ البشَري.
يتبينُ لنا، وبتدبُّرِ ما تقدَّم، أنَّ فيلمَ The Last Mimzy يضعُنا أمامَ مرآةٍ قاسية مفادها إذا كنا عاجزين عن تقبُّلِ “أنفسِنا” القادمة من المستقبل لمجرد أنَّها تبدو “مختلفةً” أو “مستقلة” في أدواتِها، فكيف يمكِنُنا تقبُّلَ الآخَرِ المختلفِ في واقعِنا الراهن؟ إنَّ هذه المقالةَ تدعونا لتَبنِّي تعريفٍ جديدٍ للنَّفسِ البشَرية غير ذلك الذي تريدُ أنفسُنا ان نرتضيه لها تعريفاً. وهذا التعريف الجديد للنَّفسِ البشرية بالإمكانِ إيجازُه بتذكُّرِ الحقيقةِ التي مفادها أنَّ الاستقلاليةَ التي نرفضُها في الآخَر هي في الواقع المساحةُ التي ينمو فيها التطور، وبدونِ تقبُّلِ هذه الاستقلالية، يظلُّ البشرُ محاصَرين في دورةٍ مُغلقةٍ من العَجزِ الوجودي.
