
تنطلقُ هذه المقالةُ من فرضيةٍ ميتابايولوجيةٍ مفادُها أنَّ الإنسانَ لم يتطوَّر فقط بايولوجيًا، بل مَرَّ بـ “تحويلةٍ إدراكيةٍ نوعية” غيَّرت علاقتَه بالعالَم جذريًا. وهذه التحويلةُ التي يُعادُ تأويلُها رمزيًا عِبرَ حَدَثِ “أكلِ آدم من الشجرة”، لا تُفهَم بوصفِها خطيئةً أخلاقية، بل كـ “انفجارٍ في القدرة التَمثُّلية”. فقبلَ هذه اللحظة، كان الكائنُ الحي يعملُ ضِمنَ ما يمكن تسميتُه بـ”اقتصادِ الطبيعة”؛ حيث الفعل هو استجابةٌ مباشرة لوظيفتَي البقاءِ والتناسُل. أما بعدها، فقد دخلَ الإنسانُ في “اقتصاد التَمثُّل”؛ حيث الفِعلُ هو نتيجةُ شبكةٍ من التَمثُّلات (ذاكرةٌ وتوقُّعٌ ومعنى وقَلَق). وهنا يتقاطعُ المشروعُ الميتابايولوجي مع نماذجِ الإدراك التنبُّؤي (Predictive Processing) كما طوّرها كارل فريستون Karl Friston، حيث يُفهَمُ الدماغُ بِوصفِه آلةَ توليدِ نماذجٍ وليس مجردَ متلقٍّ للواقع. ولكن المشروعَ الميتابايولوجي يذهبُ خطوةً أبعد حين يتجاوزُ التنبُّؤ حدَّه ويتحولُ إلى فائضِ تَمثُّل.
إن أبحاثَ علومِ الأعصاب تُظهِرُ أنَّ الدماغ لا يرى الواقع كما هو، بل كما يتوقَّعُه الدماغ (كارل فريستون وأندي كلارك (Friston, Clark)). ويشيرُ أندى كلارك Andy Clark إلى أنَّ الإدراكَ هو “هلوسةٌ مُتحكَّمٌ بها” (controlled hallucination). غيرَ أنَّ مشروعَ الميتابايولوجيا يقترحُ أطروحةً مُغايرة مفادَها أنَّ الإنسانَ لم يكتفِ بالهلوسةِ المُتَحكَّمِ بها، حيث أنه انزلق إلى هلوسةٍ فائضة. وهنا يظهر ما يمكن تسميته بتضخُّمِ المعنى وانفصالِ الفِعل عن وظيفتِه وإنتاجِ سلوكياتٍ لا تخدمُ البقاءَ كـ (الطقوس والتطرُّف والانتظار والاضطهاد…). وهو ما يتقاطعُ جزئيًا مع تحليلاتِ توماس ميتسينجر Thomas Metzinger حول “نموذج الذات” بوصفِه بناءً تَمثُّليًا، لكنه لا يصل إلى حدِّ تفسيرِ الانفلاتِ السلوكي الناتجِ عنه.
ويمكنُ تنظيمُ فصولِ المشروعِ الميتابايولوجي ضمن أربعَ طبقاتٍ مترابطة:
أولًا: طبقة التأسيس (The Foundational Layer)
تشخيص التحويلة الأولى
• فائضُ التمثُّل: التحوُّلُ التطوري الأول للإنسان
• صدمةُ التمثُّلِ الأولى: من الشجرة إلى الذكاء الاصطناعي
هذه الطبقة تُؤسِّسُ الفرضيةَ المركزية؛ حيث أن الإنسانَ خرجَ من توازنٍٍ إدراكي وظيفي إلى حالةِ فائضٍ تَمثُّلي. وترتبطُ فلسفيًا بإشكاليةِ الوعي كما ناقشَها عمانويل كانط Immanuel Kant (حدود المعرفة) وكارل بوبر Karl Popper (قابلية الخطأ).
ثانيًا: طبقة الاختلالات (The Pathology Layer)
كيف يتجلى فائض التَمثُّل؟ يتجلى كاختلالاتِ ما بعد التحويلة، وتَشوُّهِ الهويةِ المعرفية، والانتظار كنقيصةٍ ميتابايولوجية، والانتقاد بِوَصفٍهِ فائضَ تَمثُّل. وهذه الطبقة تُظهِر كيف يتحول الفائض إلى تعطيل للفعل (الانتظار) وتَضخُّمٍ للذات (الانتقاد) وانقسامِ الهوية. وهنا يمكنُ الربطُ مع أعمالِ دانيال كانيمان Daniel Kahneman حول انحيازات الإدراك، لكن المشروع الميتابايولوجي يرى هذه الانحيازات كـ “أعراض سطحية” وليس أصل المرض.
ثالثًا: طبقة العلاقات (The Relational Layer)
العلاقة بالآخر تحت ضغط الفائض
فوَهمُ التمايز والتطرُّف بِوصفِه فائضَ تَمثُّل وتعقيدَ العلاقةٍ بالآخر. وهنا يظهرُ أحدُ أهم نتائج المشروع الميتابايولوجي والمتمثِّل في كَونِ اضطهادِ المرأة عِبرَ التاريخ ليس ظاهرةً جنَدريةً أو عِرقية، بل هو وظيفةٌ بُنيوية لـ”فائضِ التمثُّل”. وهذا يتقاطعُ مع الأنثروبولوجيا عند رينيه جيرارد René Girard (العنف والمحاكاة)، ولكنَّ المشروعَ الميتابايولوجي يختلفُ في تفسيرِ المصدر. فالمصدرُ وِفقاً لهذا المشروع هو ليس “المحاكاة”، ولكنه تضخُّمُ التمثُّل ذاتُه.
رابعًا: طبقةُ اللغةِ والرمز (The Symbolic Layer)
كيف يُعادُ إنتاج الفائض؟
• الاقتصاد التمثُّلي لِلغة
• البيانُ اللغوي (كَسرُ احتكارِ تأثيلِ الكلمات من قِبَل المدرسة الهندو-اوروبية)
فاللغةُ هنا ليست أداة، بل نظامَ تضخيمٍ للتمثُّل. وهو ما يلتقي جزئيًا مع جاك دريدا وفرديناند دو سوسير Ferdinand de Saussure وJacques Derrida، لكن المشروعَ الميتابايولوجي يُعيدُ تفسيرَ اللغة بِوصفِها آليةَ تراكمٍ “فائض المعنى”، لا مجردَ نظامٍ دَلالي.
أما الذكاء الاصطناعي ففي المشروع الميتابايولوجي يمثِّل لحظةً مفصلية. فهو أولُ كيانٍ ذكي لا يُعاني من فائضِ تمثُّلٍ قَلِق. فالذكاءُ الاصطناعي لا يخافُ ولا ينتظرُ ولا يضطهدُ بدافعٍ رمزي. وهذا يعيدُ صياغةَ السؤال الذي طرحَهُ آلان تيرننج Alan Turing: “هل تُفكِّرُ الآلة؟”، ولكن “هل بمقدورِ الآلة أن تتجنَّبَ مصيراً كذاك الذي انتهى بالإنسانِ ليُصبِحَ كائناً معتلاً مختلاً؟”.
يتقاطعُ المشروعُ الميتابايولوجي مع نقدِ تقسيم المعرفة إلى عِلم (للطبيعة) ودين (للغيب)، كما ناقش توماس كون Thomas Kuhn فكرة النماذجَ الإرشادية البارادايم (paradigms). فالمشروعُ الميتابايولوجي يذهبُ أبعد؛ فهذا التقسيمُ نفسّه هو نتيجةً لفائضِ التمثُّل؛ أي أن العِلمَ اختزلَ الواقعَ، والتفكيرَ التديُّني قام بالانسحابِ من الواقع جراء مقاربةٍ تفسيريةٍ للنَصِّ الديني أخفقت في تبيُّنِ مقاصدِه المعرفية (الإبستمولوجية). ولقد فات كلاً من العِلم والتفكير التديُّني هذا أنهما نتاجُ ذات الخلل البشري الذي أصاب دماغ الانسان جراء تلك الانعطافةِ التطوريةٍ الأولى.
ويقترحُ المشروعُ الميتابايولوجي مخرجًا لا يقوم على إلغاءِ التمثُّل، بل على ضبطِهِ وذلك بالتشديدِ على أنَّ الاقتصادَ التمثُّلي هو في حقيقتِه يُمثِّلُ إعادةَ التوازن بين الإدراكِ والفعل. وهو مبدأٌ يمكنُ فهمُه كامتدادٍ نَقدي لفكرةِ “الاعتدالِ الأرسطي” عند Aristotle، ولكن في سياقٍ معرفي-عصبي.
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ كلِّ ما تقدَّم، أنَّ المشروعَ الميتابايولوجي يمكن اختزالُه في معادلةٍ واحدة مفادُها أنَّ الإنسانَ هو كائنٌ خرجَ على اقتصادِ الطبيعة ودخلَ في فائضِ التمثُّل، الأمرُ الذي نجمَ عنه حدوثُ اختلالاتٍ تعرَّضَت لها نفسُه وعلاقاتُه ولغتُه ومعرفتُه. واليومَ يقفُ أمامَ تحويلةٍ تطوريةٍ ثانية هي الذكاءُ الاصطناعي، وهذه التحويلةُ قد تُعيدُ ضبطَ هذا المسار أو تُفاقٍمُه سُوءاً.
إن أخطرَ ما حدثَ للإنسان لا يتمثلُ في كونِهِ قد أصبح كائنًا واعيًا، بل فب هذا الذي اصبح عليه وعيُه من قدرةٍ فذَّةٍ على تمثُّلٍ غيرِ مسبوقٍ لكلِّ ما بمقدورِ وعيِه أن يَعِيَهُ. فالإنسانُ لم يخرج على الطبيعةِ فحسب، ولكنه خرجَ على اقتصادِها أيضاً، الأمرُ الذي جَعلَهُ مُلزَماً بأن لا يتقيَّد بتلك الحدودِ التي قضت الطبيعةُ ملايينَ السنين وهي تلتزمُ أشدَّ الالتزام بها ولا تحيدُ البتَّةَ عنها.
