المراهقة وفقدان الانسجام مع الطبيعة… مقاربة ميتابايولوجية في نشوء الإرادة البشرية

تُمثّل المراهقة في الوعي الشائع مرحلةً انتقالية مضطربة، كثيرًا ما تُختزل في تغيّرات هرمونية أو تقلبات نفسية عابرة، وكأنّ ما يعتري الإنسان خلالها ليس سوى خلل مؤقت سرعان ما يستقر مع التقدّم في العمر. غير أنّ هذه النظرة، على ما فيها من شيء من الصحة الجزئية تبدو عاجزة عن النفاذ إلى الجذر العميق لهذه المرحلة التي قد تكون، في حقيقتها، أخطر المراحل التي يمرّ بها الإنسان منذ ظهوره على هذه الأرض. فالمراهقة ليست مجرد عبور بايولوجي من الطفولة إلى الرشد، بل هي أول ساحة صدام حقيقية بين إرادتين متعارضتين تتنازعان الفرد البشري على نحو غير مسبوق في عالم الحياة هما إرادة النوع وإرادة الجماعة.
ومن هنا تحديدًا تنبع فرادة الإنسان بين جميع الكائنات البايولوجية. فالحيوان، مهما بلغ تعقيده العصبي أو الاجتماعي، لا يعرف هذا الانقسام الجذري بين مصلحة الفرد ومصلحة النوع أو الجماعة. إذ تتحرك الكائنات الأخرى ضمن اقتصاد طبيعي بالغ الانسجام، تكون فيه إرادة الفرد امتدادًا مباشرًا لإرادة النوع؛ فالغريزة والتناسل والسلوك الاجتماعي، كلها تعمل بوصفها أجزاء من منظومة واحدة لا يكاد يظهر فيها أي تناقض بنيوي. أما الإنسان، فمنذ ما يمكن تسميته ضمن المقاربة الميتابايولوجية بـ “الانعطافة التطورية الأولى”، لم يعد كائنًا مندمجًا في اقتصاد الطبيعة، بل أصبح كائنًا منقسمًا على ذاته، ممزقًا بين تمثّلات متعارضة، وإرادات تتصارع داخله دون هوادة. والمراهقة تكشف هذا التمزق بأوضح صورة ممكنة.
ففي هذه المرحلة تبدأ إرادة النوع بإعلان حضورها البايولوجي المباشر داخل الفرد. إذ يصبح الجسد مهيأً لأول مرة لأداء الوظيفة التي قامت عليها الحياة منذ مئات ملايين السنين المتمثلة بإعادة إنتاج النوع ونشره وتوسيع امتداده. وهنا تتكلم الطبيعة بلغتها القديمة البسيطة؛ لغة لا تعرف التعقيد الرمزي ولا الاعتبارات الاجتماعية الحديثة. فكل ما تريده إرادة النوع من الفرد هو أن يؤدي دوره بوصفه أداةً في خدمة استمرار السلالة. ولهذا تظهر الرغبة الجنسية والاندفاع العاطفي والتعلق والغيرة والتنافس والانشغال الهوسي بالجاذبية والقبول، بوصفها تجليات مباشرة لرسالة النوع القديمة. غير أنّ المراهق البشري لا يعيش في الطبيعة، بل يعيش داخل الجماعة البشرية الحديثة؛ والجماعة لها إرادة مختلفة تمامًا.
فالمجتمع لا يريد من المراهق أن ينشغل فورًا بتحقيق غايات النوع، بل يطالبه بتأجيلها وكبحها وإخضاعها لمسارات طويلة من الإعداد والتأهيل والانضباط. فالمجتمع يطالب الفرد بأن يدرس، وأن يتعلم، وأن يكتسب المهارات، وأن يؤجل رغباته، وأن يهيئ نفسه لأداء أدوار اقتصادية واجتماعية وثقافية معقدة قد تمتد سنوات طويلة قبل أن يُسمح له بممارسة ما تريده منه الطبيعة أصلًا. وبذلك يجد المراهق نفسه واقعًا تحت سلطة مزدوجة متعارضة: سلطة النوع التي تدفعه بقوة نحو الانخراط الفوري في رسالته البايولوجية، وسلطة الجماعة التي تطالبه بتعليق هذه الرسالة إلى أجل غير معلوم. ومن هنا يمكن فهم القدر الهائل من الاضطراب الذي يميز هذه المرحلة.
فالمراهق ليس مضطربًا لأنه “غير ناضج” فحسب، بل لأنه يعيش أول تجربة وجودية حقيقية يتواجه فيها مطلبان متناقضان داخل كيانه نفسه. إنّه يتحول إلى ساحة حرب بين نظامين مختلفين من الإرادة: نظام الطبيعة، ونظام المجتمع. وهذه الحرب ليست رمزية أو ثقافية فقط، بل تمتد إلى أعمق البنى العصبية والهرمونية والمعرفية. فالجسد يرسل إشاراته القديمة، الضاربة بجذورها في عمق الماضي الحيوي للإنسان والممتد حقباً من الزمان يتعذر إحصاؤها، بينما يفرض العالم الحديث على الفرد أشكالًا غير مسبوقة من الكبح والتأجيل والانضباط والتمثّل. ولعلّ هذا ما يفسر كثيرًا من الظواهر التي تبدو عصية على الفهم إذا ما نُظر إليها من منظور بايولوجي تقليدي صرف. فحدة التوتر النفسي والانفعالات العنيفة والتقلبات الحادة والشعور بالاغتراب والنزوع إلى التمرد والانهيارات العاطفية والاندفاعات غير المحسوبة، كلها أعراض لصدام بنيوي أعمق بكثير من مجرد “مرحلة نمو”، وذلك لإنّها آثار مباشرة لخروج الإنسان على “اقتصاد الطبيعة” ودخوله في “اقتصاد التمثّل”؛ أي ذلك العالم الذي لم تعد فيه الإرادة البيولوجية قادرة على العمل بانسيابية كما تعمل لدى بقية الكائنات.
ومن هنا أيضًا يمكن فهم لماذا تبدو المراهقة البشرية، مقارنةً بأي مرحلة انتقالية لدى الحيوانات، طويلة ومعقدة ومشحونة إلى هذا الحد. فالحيوان يبلغ ثم ينخرط مباشرة في وظيفة النوع دون أن يطالبه أحد بتأجيلها لصالح “مشروع اجتماعي” طويل ومعقد. أما الإنسان، فيُطلب منه أن يعيش سنوات طويلة من التوتر بين ما يريده جسده وما يريده مجتمعه. ولهذا فإن المراهقة ليست مجرد تغير فيزيولوجي، بل هي أول إعلان فعلي عن انقسام الإنسان على نفسه بعد الانعطافة التطورية الأولى.
إنّ أخطر ما في المقاربات العلمية السائدة للإنسان أنها لا تزال، إلى حد بعيد، تتعامل مع هذا الكائن كما لو كان استمرارًا سلسًا لبقية الحياة البايولوجية، متغاضية عن حجم الانكسار الذي طرأ على بنيته الوجودية. فالبايولوجيا التطورية، بصيغتها الداروينية التقليدية، قدّمت إسهامات هائلة في فهم جوانب كثيرة من نشوء الحياة، لكنها تبدو عاجزة عن تفسير ذلك الكائن الذي أصبح، للمرة الأولى في تاريخ الطبيعة، قادرًا على معارضة إرادة النوع نفسه، بل وعلى إعادة توجيهها أو تعطيلها أو الدخول في صراع نفسي واجتماعي معها.
ولهذا فإن المراهقة ليست تفصيلًا هامشيًا في السيرة البشرية، بل قد تكون الدليل الأنثروبولوجي والعصبي الأوضح على أن الإنسان لم يعد كائنًا تتحرك إرادته ضمن انسجام الطبيعة القديم. إنها المرحلة التي تكشف، بأوضح صورة، أن الإنسان أصبح يحمل داخله أكثر من مركز إرادي، وأكثر من ولاء وجودي، وأكثر من نظام للمعنى. ومن هنا فإن التعامل مع المراهقين بوصفهم مجرد أفراد “مشاغبين” أو “مضطربين هرمونيًا” ليس سوى تبسيط قاسٍ لمأساة وجودية عميقة. فالمراهقون يعيشون، في الحقيقة، أول مواجهة كبرى بين ما تريده الطبيعة منهم، وما يريده المجتمع منهم، وما بدأوا هم أنفسهم يريدونه لأنفسهم بوصفهم ذواتًا مستقلة.
إنها اللحظة التي يبدأ فيها الفرد البشري أول ثوراته الحقيقية على النوع، وأول تمرده على الطبيعة، وأول اكتشاف مؤلم لحقيقة أنه لم يعد كائنًا مندمجًا في العالم كما هو الحال مع بقية الكائنات، بل أصبح كائنًا منقسمًا، قلقًا، مثقلًا بفائض التمثّل، ومعلّقًا بين إرادات لا تكف عن التنازع داخله.

أضف تعليق