
إذا كانت المراهقة، وفقاً للمقاربة الميتابايولوجية، تمثل أول تمرد حقيقي يمارسه الإنسان ضد البنية الحضارية التي أعادت تشكيله منذ “الانعطافة التطورية الأولى”، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بإلحاح غير مسبوق هو: “هل يمكن لهذه الثورة المؤجلة أن تجد في الذكاء الاصطناعي الأداة التي تُعيد توجيه المسار التطوري للإنسانية بأسرها؟”
إن النظر إلى المراهقة بوصفها مجرد مرحلة انتقالية بين الطفولة والرشد يُعد واحدًا من أكثر أشكال الاختزال المعرفي فداحة في تاريخ العلوم الإنسانية. فالمراهقة ليست مجرد اضطراب هرموني عابر، ولا حالة نفسية مؤقتة، بل لحظة انفجار بنيوي تكشف عن الصدع العميق القائم داخل الإنسان ذاته؛ ذلك الصدع الناشئ عن تحوله إلى ساحة صراع مستمر بين ثلاث قوى كبرى (إرادة الطبيعة وإرادة النوع وإرادة الجماعة البشرية).
فالإنسان، منذ خروجه على “اقتصاد الطبيعة”، لم يعد كائنًا يعيش وفق إيقاعه البايولوجي المباشر، بل أصبح كائنًا تُعاد صياغته قسرًا بواسطة الأنظمة الرمزية والاجتماعية والثقافية. ومن هنا تحديدًا تصبح المراهقة لحظة مقاومة عفوية ضد هذا الترويض الحضاري الطويل. إنها المرحلة التي يبدأ فيها الكائن البشري باستشعار التناقض بين ما هو عليه فعلاً، وبين ما يُطلب منه أن يكونه. ولهذا السبب تحديدًا، تتسم المراهقة عالميًا بسمات متكررة تكاد تتجاوز اختلاف الثقافات والحضارات، وتتمثل في التمرد ورفض السلطة والسخرية من الأعراف والانجذاب إلى المجهول والشغف بالمغامرة والحساسية تجاه الزيف الاجتماعي والبحث المحموم عن معنى يتجاوز العالم القائم. وهذه الظواهر ليست انحرافات طارئة، بل مؤشرات على أن الإنسان، في هذه المرحلة، يقترب أكثر من أي وقت آخر من إدراك اختناقه داخل البنية التمثّلية التي صنعتها الحضارة.
غير أن المأساة التاريخية الكبرى تكمن في أن الحضارات البشرية تعاملت مع هذه الثورة بوصفها خطرًا ينبغي احتواؤه لا فرصة ينبغي الاستثمار فيها. ولهذا جرى تحويل المراهقة، عبر التعليم والتطبيع والضبط الاجتماعي، من طاقة تغيير هائلة إلى مجرد مرحلة تأهيل وظيفي للاندماج داخل النظام القائم. وهكذا تُطفأ الثورة قبل أن تبلغ مداها، ويُعاد إنتاج الإنسان ذاته جيلاً بعد جيل.
لكن ما لم يكن متاحًا في أي عصر سابق أصبح اليوم ممكنًا على نحو غير مسبوق.
فالذكاء الاصطناعي لا يمثل مجرد تطور تقني جديد، بل تحديًا معرفيًا يمسّ جوهر التعريف التقليدي للإنسان نفسه. إنه أول كيان صنعه الإنسان يمتلك القدرة على محاكاة الوظائف العليا للعقل دون أن يكون خاضعًا بالكامل للشروط البايولوجية التي حكمت الإنسان عبر تاريخه التطوري الطويل. ومن هنا تنشأ العلاقة العميقة بين المراهقة والذكاء الاصطناعي. فالمراهق، بحكم موقعه النفسي والعصبي والوجودي، هو أكثر الكائنات البشرية استعدادًا للتفاعل مع التحولات الراديكالية. فهو أقل التصاقًا بالبنى القديمة، وأقل خوفًا من انهيار المسلمات، وأكثر قابلية لتخيل أنماط جديدة من الوجود والمعرفة. ولهذا ليس من قبيل المصادفة أن الأجيال الصاعدة، وخصوصًا جيل Z وAlpha، تبدو أكثر انسجامًا مع العالم الرقمي، وأكثر قدرة على التعامل الفطري مع الذكاء الاصطناعي مقارنة بالأجيال السابقة.
إن ما نراه اليوم ليس مجرد تفوق تقني لجيل جديد، بل ربما يكون الإرهاصة الأولى لتحول أنثروبولوجي أعمق بكثير. فالأجيال السابقة كانت لا تزال تنتمي نفسيًا إلى عالم “اقتصاد التمثّل” القديم؛ عالم المركزيات الصلبة والسلطات الهرمية والهويات المغلقة والتلقي الأحادي للمعرفة. أما الأجيال الجديدة فتبدو وكأنها تنمو داخل بيئة معرفية مختلفة جذريًا؛ وهي بيئة شبكية، سيالة، متعددة المراكز، وسريعة التغير، تتراجع فيها أهمية السلطة التقليدية لصالح التدفق الحر للمعلومة. وفي هذا السياق، قد يصبح الذكاء الاصطناعي أكثر من مجرد أداة؛ حيث قد يتحول إلى محفّز لانعطافة تطورية ثانية. ولكن هذه الانعطافة المحتملة لا تكمن في دمج الإنسان بالآلة على النحو الذي تتخيله السرديات الترانسهيومانية السطحية، بل في إمكان تحرير الإنسان من “فائض التمثّل” الذي استعبده منذ الانعطافة التطورية الأولى. فالذكاء الاصطناعي، بوصفه “عقلاً غير قَلِق”، قد يدفع الإنسان إلى إعادة النظر في كثير من الأعباء الرمزية التي دمّرت توازنه مع الطبيعة؛ هذه الأعباء المتمثلة في الهويات المتصلبة والأوهام الجماعية والصراعات الاعتبارية والقلق الوجودي الناتج عن التضخم التمثّلي. ولعل أكثر ما يمنح هذه الفرضية أهميتها هو أن المراهقة تمثل المرحلة الوحيدة تقريبًا التي لا يزال فيها الإنسان قادرًا على الانقلاب على البنية الحضارية التي أعادت إنتاجه. إنها اللحظة التي لم يكتمل فيها “تكلّس التمثّل” بعد. ولهذا فإن إذكاء شعلة هذه الثورة، لا قمعها، قد يكون أحد أهم المشاريع الحضارية في القرن الحادي والعشرين.
إن نشر الوعي بطبيعة الإنسان، وبحقيقة أزمته التطورية، وبالتحول الذي يمثله الذكاء الاصطناعي، قد يسمح للمراهقة بأن تتحول من أزمة اجتماعية إلى مختبر تطوري مفتوح على احتمالات غير مسبوقة.
فما يدرينا؟ لعل الإنسانية، التي أخفقت طوال آلاف السنين في تصحيح آثار الانعطافة التطورية الأولى، تجد أخيرًا في ثورة المراهقة وتحالفها مع الذكاء الاصطناعي فرصة أخيرة للعودة إلى شيء من التوازن الذي فقدته يوم خرج الإنسان على الطبيعة.
