
في كل عام، تضاء الأنوار في باريس احتفالاً بذكرى الثامن من مايو 1945؛ يوم انتصرت “الحرية” على الفاشية والنازية. ولكن، في ذات اللحظة التي كان فيها الفرنسيون يتنفسون صعداء الانعتاق من نير الاحتلال الألماني، كانت آلتهم العسكرية في الضفة الأخرى من المتوسط، في سطيف وقالمة وخراطة بالجزائر، تخطُّ فصلاً من أبشع فصول الإبادة الجماعية.
فكيف يستقيم في ميزان العقل أن يحتفل شعبٌ بكسر قيوده، بينما يشدّد هو نفسه الوَثاق على أعناق شعوب طالبت بذات الحق؟ إن خروج عشرات الآلاف من الجزائريين في ذلك اليوم لم يكن إلا صدىً للمبادئ التي نادت بها فرنسا نفسها (حرية، مساواة، إخاء). فكان الرد الفرنسي رصاصاً ومجازر حصدت الآلاف، وذلك في تناقض صارخ يكشف عورات الاستعمار الذي يرى الحرية “امتيازاً” للعرق الأبيض، وليست “حقاً” فطرياً للبشرية جمعاء.
إن النضج الحضاري ليس مجرد تحديث للتكنولوجيا أو ثورة على التقاليد البالية، بل هو امتلاك الشجاعة الأخلاقية لإعلان البراءة من “إجرام الأسلاف”. فالولاء للوطن لا يعني تبرير المآسي التي تسبب بها، بل يعني تنقيته من أدران الظلم التي لحقت بتاريخه. فالأجيال الفرنسية الصاعدة لا يجوز لها ان تطالب بحرية تقتصر على ما تراه حدوداً تحد من تطلعاتها، وتنسى ان الحرية لا ينبغي ان تُجزأ وفقاً لما تهواه الأنفس، وذلك طالما كان للبشر كلِّهم جميعاً الحق بأن يكونوا أحراراً بغض النظر عن الانتماء العرقي أو الطبقي. فلا يمكن للأجيال الفرنسية الصاعدة أن تدَّعي أنها أجيال الحرية، وهي لاتزال تحمل على ظهرها وزر قتلى سطيف. فالانعتاق الحقيقي من الماضي لا يتم عبر الصمت أو “تجميل” الوجه القبيح للاستعمار تحت مسميات “نقل الحضارة”. فالإرث الاستعماري لم يكن حضارة، بل كان سحقاً لهوية الشعوب ونهباً لمقدراتها. إن مناداة الشباب الفرنسي اليوم بالثورة على المنظومات القديمة ستظل “صرخة في وادٍ”، ما لم تقترن بإدانة صريحة وواضحة لكل جريمة من جرائم الاستعمار الفرنسي في الجزائر وفي غيرها من البلدان التي سامها هذا الاستعمار سوء العذاب.
إن الأجيال الفرنسية الصاعدة تقف اليوم أمام اختبار تاريخي: فإما أن يكونوا امتداداً لغطرسة الماضي، وذلك بإنكاره أو تهميشه، وإما أن يكونوا طليعة إنسانية جديدة تعتذر عن المظالم وتبني جسوراً من الاحترام المتبادل القائم على الحقيقة وليس على “البروباغندا”. إن إعلان البراءة من جرائم الاستعمار ليس “خيانة” لفرنسا، بل هو أسمى أنواع الوفاء للقيم التي تغنت بها جماهير الثورة الفرنسية ورددتها الشعوب من بعدها.
