التاريخ بوصفه غنيمة… “الاسترداد” الإسباني وصناعة الحقيقة البديلة

لم تكن صرخة “الاسترداد” (Reconquista) التي أطلقها الملكان الإسبانيان، فرديناند وإيزابيلا، مجرد عملية عسكرية لاستعادة الأرض، بل كانت في جوهرها مشروعًا لإعادة هندسة الذاكرة. فمصطلح “الاسترداد” بحد ذاته يحمل في طياته انحيازًا لغويًا يوحي بأن ثمانية قرون من الحضارة العربية الأندلسية كانت مجرد “حدث عابر” في مسيرة إسبانيا، وليست جزءًا أصيلًا من هويتها. وهنا، تبرز الحقيقة كأول ضحية في مذبح السياسة.
فبعد سقوط غرناطة، لم يكتفِ المنتصر برفع الأعلام، بل بدأ في صياغة تاريخ بديل يمحو “الآخر”. اعتمدت هذه العملية على ركيزتين:
1. التعصب المذهبي؛ حيث تم تحويل الصراع السياسي إلى حرب “مقدسة”، وذلك حين زعم الملكان الأسبانيان أنهما يتحدثان بلسان “الحق الإلهي”. وهذا الزعم شرّع لاحقًا لـ “محاكم التفتيش” التي لم تكن تهدف لتصحيح العقيدة بقدر ما كانت تهدف لتطهير الذاكرة الجمعية من أي أثر للإسلام واللغة العربية.
2. التعنصر العرقي: برز مفهوم “نقاء الدم” (Limpieza de sangre)، وهو أول تجلٍّ للعنصرية المؤسسية في العصر الحديث؛ حيث كان الهدف الحقيقي هو إثبات أن “الإسباني الحقيقي” هو الكاثوليكي ذو الأصول البعيدة عن الاختلاط الموريسكي (العربي)، مما حول التاريخ من سجل للأحداث إلى “شهادة نسب” إقصائية.
وعندما يكون الهدف هو فرض تاريخ بديل، تصبح الفظاعات وسيلة “منطقية” في نظر مرتكبيها. فحرق آلاف المخطوطات في ساحة “الرملة” بغرناطة لم يكن حرقًا للورق، بل كان محاولة لحرق الحقيقة التاريخية التي تشهد على رقيّ “المهزوم”. فالحقيقة التي تزعم أن الأندلس كانت منارة للعلم والتسامح كانت تمثل تهديدًا للرواية الجديدة التي تصف تلك الحقبة بـ “الاحتلال المظلم”. فلقد ادعى فرديناند وإيزابيلا أنهما “يستردان” إسبانيا، لكنهما في الواقع كانا يخترعان “إسبانيا جديدة” قائمة على جثث التعددية. فالحق الذي زعما أنهما ينطقان بلسانه كان “حقًا” مشوهًا، استلزم اقتلاع مئات الآلاف من جذورهم عبر التهجير القسري، وقتل كل من يرفض الذوبان في “الهوية الأسبانية الجديدة الواحدة”.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن “حقبة الاسترداد” تذكرنا بأن إعادة كتابة التاريخ ليست عملية بريئة أبدًا؛ فهي حين تنطلق من التعصب، تنتهي بالضرورة إلى الجريمة. إن الحقيقة التاريخية تظل حية في الآثار والأدب وفي وجدان الشعوب، مهما حاول الطغاة الباغون تزييفها.
إن الدرس الأكبر من عام 1492 هو أن التاريخ الذي يُكتب بمداد من الدم والتعصب هو تاريخ ناقص، وأن الحقيقة ستظل تطارد المنتصر مهما حاول مواراتها من وراء قلاع الافتراءات والاكاذيب.

أضف تعليق