
لم يكن الصراع في المشهد الثقافي الفرنسي لمنتصف القرن العشرين مجرد تباين في الأساليب الأدبية، بل كان صداماً بين رؤيتين للوجود: رؤية تسعى لـ “هندسة” النفس البشرية لتلائم قوالب فلسفية كبرى، ورؤية تكتفي بـ “رصد” اضطرابات هذه النفس في صورتها الخام. وهنا تبرز سيمون دي بوفوار وفرانسواز ساغان، لا ككاتبتين فحسب، بل كمسارين متناقضين في فهم الكينونة الأنثوية.
فلقد استمدت سيمون دي بوفوار سطوتها من قدرتها على تحويل التجربة الإنسانية إلى “مشروع” سياسي وفلسفي. فلقد كانت “الإبنة الطائعة” للفلسفة الوجودية بمفهومها السارتري، حيث سخرت قلمها لصياغة صورة لأنثى الإنسان تقوم على “القطيعة” مع الماضي والبايولوجيا. وهذا “الأدب المنهجي” (Littérature systématique) الذي مارسته دي بوفوار لم يكن يهدف للتماهي مع صوت النفس بقدر ما كان يهدف لـ “إعادة تربيتها”. فلقد فرضت على نساء جيلها صورة الأنثى المناضلة، المستقلة، والصلبة، وهي صورة كانت النخبة الفكرية الفرنسية متعطشة لترويجها كجزء من الثورة على القيم التقليدية ما بعد الحرب العالمية الثانية. وبذلك، تحولت دي بوفوار من كاتبة تعبر عن ذاتها إلى “أيقونة” تعبر عن إيديولوجيا، مما جعل صوتها صدىً للمختبر الفلسفي لا لنبض الشارع الوجداني.
وعلى الضفة الأخرى، كانت فرانسواز ساغان تمثل “الصدق المزعج” الذي لا يخدم أحداً سوى الحقيقة الداخلية. فساغان، التي لم تذهب بعيداً في إذكاء نار الفرقة بين “الجنس الأول” و”الجنس الثاني”، قدمت للإنسان (ذكراً وأنثى) مرآة تعكس الضجر والحزن والعبثية دون تنظير. فلم تحاول ساغان اختراع “أنثى نموذجية”؛ بل تركت شخوصها يتخبطون في إنسانيتهم. وهذا التماهي مع الهشاشة البشرية جعلها أقرب لنبض النفس، لكنه جعلها أيضاً “أقل فائدة” للنخبة الفكرية. ففي زمن كان يُقدَّس فيه “الأدب الملتزم”، بدا أدب ساغان شخصياً أكثر مما ينبغي، وعفوياً لدرجة تفتقر للصرامة الثورية التي كانت تتطلبها منصات الوجودية في “سان جيرمان دو بري”.
إن العلة الكامنة وراء الشهرة الطاغية التي حظيت بها دي بوفوار مقارنة بساغان تكمن في “المنفعة الإيديولوجية”. فلقد كانت طروحات دي بوفوار تنسجم تماماً مع تطلعات النخبة الفرنسية التي كانت تحاول أن تعيد صياغة الهوية الوطنية والاجتماعية عبر الفلسفة. فلقد قدمت النسوية الدوبوفوارية مادة دسمة للأكاديميا والسياسة، لأنها قابلة للتحليل والتبويب والتحول إلى شعارات. أما ساغان، فكانت تمثل تياراً وجدانياً لا يمكن تأطيره أو استخدامه في معارك النفوذ الثقافي؛ إذ أنها كانت تكتب عن “الإنسان” الذي يعاني خلف الأبواب المغلقة، وليس عن “المواطن” الذي كان يتظاهر في الميادين.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن دي بوفوار نجحت في فرض صورتها لأنها كانت تمتلك “قوة الإقناع” الفلسفي ودعم الماكنة الثقافية الوجودية، لكن ساغان ظلت الأكثر قدرة على ملامسة المناطق المعتمة في النفس التي لا تصل إليها الإيديولوجيا. إن شهرة دي بوفوار هي انتصار لـ “المنهج”، بينما بقاء ساغان هو انتصار لـ “الحقيقة الإنسانية” في كل تناقضاتها وضجرها. وبذلك، تظل العلة في تفاوت شهرتهما شاهدة على عصر قدم فيه المثقفون “الصورة المتخيّلة” للتحرر على “الواقع المعيش” للنفس البشرية.
