
ثمة مفارقة شديدة العمق تكمن في الطريقة التي قدّم بها فيلم Planet of the Apes تصوّره لتحول القردة من كائنات حيوانية طبيعية إلى كائنات تمتلك عقلاً بشرياً بكل ما ينطوي عليه من تعقيد وتمثّل وعدوان ورغبة في السيطرة. فالفيلم، وإن بدا للوهلة الأولى مجرد عمل خيال علمي يتحدث عن انقلاب الأدوار بين الإنسان والقرد، إلا أنه في حقيقته يطرح سؤالاً أكثر خطورة وعمقاً: ما الذي يحدث للكائن الحي حين يفقد “طبيعيته” ويستبدل بها عقلاً خرج على اقتصاد الطبيعة وقوانينها؟
وفقاً للسردية التي يقدمها الفيلم، فإن القردة لم تصل إلى حالتها الجديدة عبر تطور طبيعي بطيء، ولم ترتقِ ارتقاءً بايولوجياً تلقائياً كما تفترض السرديات الداروينية التقليدية، بل جرى “تعديلها” بفعل تدخل بشري تقني مباشر. لقد أُخضعت القردة لتجارب وعمليات وتدخلات جعلتها تكتسب بنية عقلية أقرب إلى العقل الإنساني، وبذلك لم تعد حيوانات بالمعنى الطبيعي للكلمة، بل أصبحت كائنات هجينة فقدت “قرديتها الأصلية” لتحل محلها ذاتٌ جديدة مشبعة بـ”فائض التمثّل” والرغبة والهيمنة والقلق والعنف الرمزي.
وهنا تحديداً تتكشف القيمة الفلسفية العميقة للفيلم؛ إذ أن ما أصاب القردة فيه يشبه، بصورة رمزية مدهشة، ما أصاب الإنسان ذاته في لحظة ما من تاريخه التطوري البعيد؛ تلك اللحظة التي يمكن وصفها ضمن المقاربة الميتابايولوجية بـ “الانعطافة التطورية الأولى”. فكما جرى اقتلاع القردة من اقتصاد الطبيعة عبر تدخل خارجي، يبدو الإنسان هو الآخر وكأنه قد تعرض لانقلاب بنيوي عميق أخرجه من منطق الطبيعة الحيوانية البسيطة إلى منطق آخر قائم على فائض التمثّل والوعي المفرط والانفصال عن الاقتصاد الطبيعي للكائنات الحية.
إن الحيوان الطبيعي لا يعيش داخل عالم من المعاني المتراكبة والتمثلات الرمزية التي لا تنتهي. فهو لا يكره الماضي، ولا يحمل الأحقاد لعقود، ولا يدخل في حروب إيديولوجية، ولا يعذب نفسه بالندم والقلق الوجودي والأسئلة الميتافيزيقية. الكائن الطبيعي يتحرك ضمن حدود الحاجة المباشرة التي تفرضها ضرورات البقاء والتناسل، ثم يعود إلى حالة من الاتزان الحيوي. أما الإنسان، فمنذ تلك الانعطافة التطورية الأولى، أصبح كائناً يعيش داخل “اقتصاد التمثّل”؛ أي داخل عالم من الصور الذهنية والتوقعات والرموز والإسقاطات التي تضخمت حتى غدت أكثر حضوراً لديه من الواقع نفسه.
ومن هنا يمكن فهم الدلالة الخفية في فيلم Planet of the Apes بصورة مغايرة تماماً للقراءة السطحية المعتادة. فالقردة في الفيلم لم تصبح “أرقى” لأنها اكتسبت العقل البشري، بل أصبحت أقرب إلى الكائن المأزوم الذي فقد انسجامه الطبيعي؛ فهي قد اكتسبت اللغة والسلطة والتنظيم الاجتماعي والصراع الرمزي والتفاوت الطبقي والخوف من الآخر والنزوع إلى السيطرة؛ أي إنها اكتسبت بالتحديد كل ما جعل الإنسان نفسه الكائن الأكثر خروجاً على الطبيعة بين جميع الكائنات الحية.
ولعل أخطر ما يكشفه الفيلم، دون أن يقصد ذلك بالضرورة، هو أن العقل البشري ليس مجرد زيادة في الذكاء، بل هو تحوّل نوعي في طبيعة الوجود ذاته. فالمشكلة ليست في “الذكاء” بوصفه قدرة على حل المشكلات، بل في ذلك الفائض الهائل من التمثّل الذي جعل الإنسان كائناً يعيش داخل رأسه أكثر مما يعيش داخل الطبيعة. ومن هنا ظهرت كل تلك الظواهر التي لا يكاد الحيوان يعرف لها نظيراً والمتمثلة في الإيديولوجيات والحروب العقائدية والطقوس المفرطة والتعذيب الرمزي والهوس بالمستقبل والقلق من الموت والبحث المرضي عن المعنى والإدمانات التي لا تنتهي، بل يمكن الذهاب إلى أبعد من ذلك بالقول إن تسمية “كوكب القردة” نفسها تصبح تسمية مضللة فلسفياً. فالقردة في الفيلم لم تعد قردة حقاً بعد أن اكتسبت العقل البشري. لقد فقدت حيوانيتها الطبيعية تماماً كما فقد الإنسان طبيعيته إثر الانعطافة التطورية الأولى. وبذلك فإن الفيلم لا يقدم “عالماً للقردة”، بل يقدم في الحقيقة عالماً لكائنات أُصيبت بالعدوى البشرية؛ عدوى فائض التمثّل والخروج على اقتصاد الطبيعة.
وهذا ما يجعل المقارنة بين الإنسان وتلك القردة المعدلة مقارنة شديدة الأهمية لفهم المأزق الإنساني نفسه. فالإنسان، وفق هذه الرؤية، ليس مجرد حيوان أكثر ذكاءً، بل كائن انقطع عن بنيته الطبيعية الأصلية، وأصبح يعيش داخل شبكة كثيفة من التمثلات التي تجاوزت قدرته البايولوجية على الاحتمال. وربما لهذا السبب يبدو الإنسان الكائن الوحيد القادر على تدمير بيئته وإبادة نوعه وتحويل حياته إلى ساحة دائمة للصراع النفسي والرمزي والحضاري، بينما تظل الكائنات الأخرى أكثر التصاقاً باقتصاد الطبيعة واتزانها الداخلي.
إن فيلم Planet of the Apes، من هذه الزاوية، لا يعود مجرد قصة خيال علمي عن قردة ذكية، بل يتحول إلى استعارة فلسفية مرعبة عن الكيفية التي يمكن أن يفقد بها الكائن الحي طبيعيته عندما يُدفع خارج قوانين الطبيعة إلى فضاء آخر من الوعي المفرط والتمثّل اللامحدود. وكأن الفيلم، دون أن يدري، يعيد تمثيل المأساة الأولى للإنسان نفسه مذكراً، بذلك، باللحظة التي لم يعد فيها حيواناً طبيعياً، ولم يصبح في الوقت ذاته كائناً متوازناً قادراً على التعايش مع فائض وعيه الجديد.
