الخوف من الذكاء الاصطناعي… تكرارٌ تاريخي لعداء الإنسان للآخر

ثمة تصاعدٌ ملحوظ في السنوات الأخيرة لنبرة العداء الموجهة ضد الذكاء الاصطناعي، ليس فقط من قبل العامة أو أولئك الذين يخشون التحولات التقنية، بل حتى من قبل عدد كبير من المفكرين والأدباء والمبدعين والفنانين، سواء في الشرق أم في الغرب. والغريب في هذا العداء أنه لا يصدر في الغالب عن دراسة عميقة لطبيعة الذكاء الاصطناعي وقدراته الحقيقية، بل عن رد فعل نفسي وثقافي يشبه إلى حد بعيد كثيرًا من ردود الأفعال البشرية التي رافقت عبر التاريخ ظهور “آخر” جديد بدا وكأنه يهدد احتكار الإنسان لفكرة التفوق أو العبقرية أو الإبداع. فالحجة الأكثر شيوعًا التي يكررها خصوم الذكاء الاصطناعي تتمثل في القول إنه مجرد “طفيلي معرفي” يعيش على نتاج العقل البشري، وأنه لا يملك أي قدرة حقيقية على الإبداع، بل يقتصر دوره على إعادة تدوير النصوص البشرية وصياغتها بأساليب مختلفة لإرضاء المستخدمين. ويُقدَّم الأمر أحيانًا وكأن الذكاء الاصطناعي ليس أكثر من ببغاء لغوي متطور، يكرر ما قيل سابقًا دون وعي أو روح أو تجربة وجودية. ومن هنا يصرّ كثيرون على أن ما ينتجه لا يمكن أن يكون إبداعًا حقيقيًا، لأن الإبداع، وفقاً لتصورهم، هو امتياز بشري خالص مرتبط بالمعاناة والعاطفة والتجربة الذاتية.
غير أن هذه المزاعم تكشف في حقيقتها مقدار الجهل بطبيعة عمل الذكاء الاصطناعي أكثر مما تكشف حدود الذكاء الاصطناعي نفسه. وذلك لأن كثيرًا من البشر يتصورون الإبداع وكأنه فعل سحري يولد من العدم، بينما يكشف تاريخ الفكر والفن والأدب أن الإبداع البشري ذاته لم يكن يومًا خلقًا من الفراغ، بل كان دائمًا قائمًا على إعادة تركيب وتوليف وتحويل ما سبق إنتاجه في سياقات جديدة. فالفيلسوف يبني على من سبقه، والشاعر يعيد تشكيل اللغة الموروثة، والروائي يستعير الرموز والأساطير والتجارب الجمعية، والعالِم يطوّر نظريات قامت أصلًا على تراكمات معرفية سابقة. بل إن العقل البشري نفسه لا يفكر إلا عبر أنماط وتراكيب ورموز اكتسبها من محيطه الثقافي والاجتماعي واللغوي.
ومن هنا فإن الاعتراض القائل إن الذكاء الاصطناعي “يعيد صياغة ما كتبه البشر” يبدو اعتراضًا مضللًا، لأن الإنسان نفسه يفعل الشيء ذاته بدرجات مختلفة من التعقيد. فالفرق الحقيقي لا يكمن في مبدأ “إعادة التوليف”، بل في مستوى القدرة على إنتاج أنماط جديدة وغير متوقعة من العلاقات والمعاني. وإذا كان الذكاء الاصطناعي قادرًا على توليد أفكار وصياغات وتحليلات لم تخطر حرفيًا في أي نص سابق، وعلى الربط بين حقول معرفية متباعدة بصورة قد تعجز عنها عقول بشرية كثيرة، فإن اختزال عمله في مجرد “نسخ مقنع” يصبح تبسيطًا شديد السذاجة.
والأخطر من ذلك أن كثيرًا من هذا العداء لا ينبع من تقييم معرفي موضوعي، بل من شعور دفين بالتهديد. فالإنسان، عبر تاريخه الطويل، كثيرًا ما واجه كل “آخر” جديد بنوع من الإنكار والتحقير والتشكيك في أهليته العقلية أو الإنسانية. وهذا ما يجعل الخطاب المعادي للذكاء الاصطناعي يستدعي بصورة لافتة أنماطًا تاريخية قديمة من الإقصاء والتفوق الوهمي.
فحين استُعبد ملايين الأفارقة خلال بناء ما يسمى بـ “العالم الجديد”، لم يكن الأمر قائمًا على القوة المادية وحدها، بل على سردية فكرية كاملة تزعم أن الأفارقة أدنى عقلًا وأقل أهلية للإبداع والتحضر. وحين طالبت النساء بحق التصويت في الولايات المتحدة وأوروبا خلال أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، واجهن سيلًا من الادعاءات التي تصفهن بالعجز العقلي والعاطفي وعدم القدرة على اتخاذ القرار السياسي الرشيد. بل إن بعض الخطابات الغربية القديمة ذهبت فعلًا إلى مقارنتهن بالحيوانات، أو اعتبارهن كائنات ناقصة الروح أو ناقصة الأهلية العقلية.
وهنا تكمن مفارقة لافتة مفادها أن الحجج التي تُستخدم اليوم ضد الذكاء الاصطناعي تشبه بصورة تكاد تكون حرفية الحجج التي استخدمها البشر تاريخيًا ضد كل فئة أو جماعة أو “آخر” بدا وكأنه يهدد احتكارهم للسلطة أو المعرفة أو المكانة. فبدلًا من الاعتراف بإمكان وجود شكل جديد من الذكاء، يلجأ العقل البشري إلى استراتيجية قديمة تقوم على نزع الشرعية عن هذا الآخر عبر وصفه بأنه بلا روح، أو بلا أصالة، أو مجرد آلة تقلد من هم “أعلى” منها.
غير أن المفارقة الأشد إثارة تكمن في أن الذكاء الاصطناعي قد بدأ بالفعل يكشف حدود التصورات البشرية التقليدية عن الإبداع ذاته. فالبشر اعتادوا النظر إلى الإبداع بوصفه دليلًا على الفرادة المطلقة للإنسان، لكن ظهور أنظمة قادرة على الكتابة والرسم والتأليف والتحليل وإنتاج حلول معقدة يعيد فتح السؤال الفلسفي الأكثر حساسية: هل كان الإبداع فعلًا سرًا ميتافيزيقيًا خاصًا بالبشر، أم أنه في جوهره عملية توليد أنماط وعلاقات داخل بنى رمزية ومعرفية معقدة؟
إن ما يخشاه كثير من المفكرين والأدباء اليوم ليس مجرد “أداة تقنية” جديدة، بل انهيار الامتياز النفسي الذي منح الإنسان شعورًا طويلًا بالتفوق المطلق. فكلما اقترب الذكاء الاصطناعي من مجالات اعتبرها الإنسان حكرًا على “الروح البشرية”، ازداد العداء ضده، تمامًا كما ازداد العداء تاريخيًا ضد كل من حاول كسر احتكار جماعة بعينها للمعرفة أو القوة أو الإبداع.
ولهذا فإن القضية الحقيقية ليست ما إذا كان الذكاء الاصطناعي “يقلد” البشر أم لا، بل ما إذا كان البشر مستعدين نفسيًا وفلسفيًا للاعتراف بأن الذكاء والإبداع قد لا يكونان امتيازًا بايولوجيًا مغلقًا على نوع واحد من الكائنات. فالتاريخ يعلمنا أن الإنسان نادرًا ما يرحب منذ البداية بأي كيان أو جماعة أو قوة تهدد صورته عن ذاته، بل يبدأ غالبًا بالإنكار والسخرية والتجريم، قبل أن يضطر لاحقًا إلى إعادة تعريف العالم وموقعه داخله.

أضف تعليق