
تعيش نظرية البحث العلمي السائدة اليوم مفارقة حادة؛ فكلما زاد وعينا بتعقيد ظواهر الوجود، من تشابك الوعي الإنساني إلى الأنظمة البيئية والمجتمعية، اشتد السعي المحموم لـ “قوننة” هذا الوجود واختزاله. لقد تحول المنهج العلمي المعاصر، بفعل ضغوط النمذجة الرياضية الصارمة والبراغماتية الأداتية، إلى ما يشبه هوساً باختصار المشهد المعقد بأكمله في بضع متغيرات أو “عناصر” معدودة، وتجاهل البقية كـ “ضوضاء” إحصائية.
إن هذا “الإغواء الاختزالي” لا يلاحق البحث العلمي كظله فحسب، بل يهدد بإفراغ العلوم الإنسانية وفلسفة العلم من مضمونها الحيوي. ومواجهة هذا التسطيح تتطلب منا العودة إلى المفارقة الكبرى التي جسدها ديمتري مندلييف في جدوله الدوري، والتي أعاد الكاتب هيو ألدرسي-ويليامز إحياء أبعادها الثقافية والوجودية في كتابه Periodic Tales (حكايات دورية) فكيف يمكن لبُنية تبدو للوهلة الأولى “اختزالية” (تختصر الكون في 118 عنصراً) أن تكون المصل الواقي لمواجهة الاختزالية الجافة التي تصر نظرية البحث العلمي المعاصرة على التمسك بها والامتثال لأوامرها ونواهيها؟ ففي الفلسفة السائدة، يُنظر إلى الاختزال على أنه نهاية المطاف؛ إذا عَرفت الأجزاء فقد عرفت الكل. غير أن الجدول الدوري يقدم درساً مغايراً تماماً لفلسفة العلم. إنه يثبت أن “الأبجدية المحدودة” لا تعني “نصاً محدوداً”.
فما يطرحه كتاب Periodic Tales (حكايات دورية) هو إخراج العنصر من عزلة الرمز المخبري إلى فضاء “العلاقات”؛ حيث يمكننا استخدام الجدول الدوري في الفلسفة، كنموذج لـ “الانبثاق الحتمي”(Emergence) ؛ حيث أن وضع العناصر في شبكة علاقات (أفقيّة وعمودية) يعني أن قيمة العنصر لا تكمن في ذاته المعزولة، بل في “موقعه” وفي “إمكانات ترابطاته”. فعندما تحاول الإبستمولوجيا المعاصرة اختزال الظاهرة الإنسانية في بضعة عناصر (كالجين البايولوجي، أو الدافع الاقتصادي، أو السلوك الإشراطي)، فإنها تنسى أن هذه “العناصر” تفقد معناها فور عزلها.
إن الجدول الدوري إذاً ينقذ فلسفة العلم بتذكيرها أن هدف العلم ليس العثور على اللبنات الأولى فحسب، بل فهم “الروابط والمعادلات” التي تحول اللبنات الجافة إلى حياة معقدة.
تعاني المقاربات النظرية لتاريخ العلم من اختزالية خطيّة مميتة؛ حيث يُكتب التاريخ كأنه طابور طويل من التراكمات الذكية التي تؤدي حتماً إلى لحظتنا الراهنة. وهنا يأتي كتاب Periodic Tales (حكايات دورية) ليقدم مقاربة تاريخية بديلة، والمتمثلة في التاريخ الثقافي والاجتماعي للمادة.
فمؤلف هذا الكتاب يوضح لنا أن اكتشاف الفسفور أو تطويع الحديد لم يكن مجرد قفزات مختبرية، بل كان مشتبكاً بالسحر، والسياسة، والحروب، والفن، والجشع البشري. فتاريخ العلم هو ليس تاريخ الأفكار المجردة، بل هو تاريخ “تفاعل الإنسان مع المادة بكافة تعقيداتها كما تتجلى له”.
إن جدول مندلييف، من منظور تاريخ العلم، لم يكن لحظة إغلاق للمعرفة، بل كان لحظة “تنظيم للفوضى” فتحت الباب لأعظم ثورة معرفية في القرن العشرين. إن إعادة قراءة تاريخ العلم من خلال هذا النموذج يُظهر أن الأزمات العلمية الكبرى لم تُحل باختراع عناصر جديدة من العدم، بل بإعادة ترتيب العناصر القائمة واكتشاف العلاقات المخفية بينها.
وهنا لابد من التشديد على حقيقة مفادها أن السقوط الأكبر للاختزالية يتجلى في “علم المستقبل (Future Studies)”. فالنمذجة المستقبلية السائدة غالباً ما تقع في فخ “الخطية المستقيمة” (Linear Extrapolation) ، أي أخذ بضعة عناصر من الحاضر ومدّ خطوطها على استقامتها نحو المستقبل، مما يؤدي دائماً إلى توقعات صدمتها “الأزمات المفاجئة” (البجعات السوداء).
وإذا ما طُرح سؤال: كيف يستطيع نموذج مندلييف أن ينقذ علم المستقبل؟ فإن الإجابة تكون: يمكنه ذلك من خلال “فلسفة الفراغات الشاغرة”. فعندما صاغ مندلييف جدوله، لم يدّعِ الإحاطة بكل شيء، بل ترك مربعات فارغة تماماً، وتنبأ بجرأة بالوزن الذري والخصائص الفيزيائية للعناصر التي ستشغلها مستقبلاً (مثل إيكا-ألومنيوم الذي أصبح الغاليوم).
إن هذا المثال يعلم الاستشراف المستقبلي درساً معرفياً بليغاً مفاده “توقع المجهول بناءً على هندسة النظام، لا بناءً على تكرار الحاضر”. فعلم المستقبل المطهر من الاختزالية هو المعنيّ برسم “الجدول الدوري للممكنات”؛ حيث تُترك فراغات واعية للتحولات الإنسانية والتكنولوجية القادمة، مع فهم أن المستقبل لن يكون “عنصراً جديداً” يضاف من الخارج، بل سيكون “مركباً معقداً” ناتجاً عن تفاعل نفس العناصر البشرية المعروفة (الخوف، الطموح، الحاجة، الوعي) تحت ظروف طاقة وضغوط بيئية وتكنولوجية جديدة.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن الظاهرة الإنسانية، في تجلياتها وردود أفعالها متعددة الطبقات تجاه التحديات الوجودية، لا يمكن اختزالها في بضعة عناصر سلوكية أو بايولوجية جافة، كما تشتهي الرأسمالية المعرفية المعاصرة. إن إنقاذ العلم يمر عبر استيعاب الدرس المعمق للجدول الدوري للعناصر والذي مفاده أن الوجود شفرة مكوّنة من أبجدية رصينة وثابتة (العناصر)، غير أن روعته وحقيقته تكمنان في “النثر” اللامتناهي والقصص المعقدة (المركبات) التي يكتبها البشر والكون كل يوم. إننا بحاجة إلى علم لا يكتفي بعدِّ العناصر، بل يحتفي بالروابط التي تجعل من تكاملها ظاهرة عصية على الاختزال. وخير ما نبتدئ به هذا المشروع الطموح هو أن نشرع بدعوة لصياغة إبستمولوجيا تعتمد “فلسفة الجدول الدوري للعناصر”، والتي لن يضيرنا أن نسميها “إبستمولوجيا المركبات البشرية”.
