فائض التمثّل بين الحلم والوهم… كيف يعيش الإنسان داخل واقعين في آنٍ واحد؟

من أكثر الظواهر التي تكشف عمق الانعطافة التطورية الأولى التي خرج معها الإنسان من “اقتصاد الطبيعة” إلى “اقتصاد التمثّل”، تلك القدرة الغريبة التي بات يمتلكها العقل البشري على إنتاج عوالم كاملة لا وجود مادّيًا لها، ثم العيش داخلها كما لو كانت حقائق قائمة بذاتها. فالإنسان، منذ اللحظة التي أصبح فيها كائنًا رمزيًا، لم يعد يكتفي بالتعامل مع الواقع كما هو، بل صار يُعيد تشكيله بصورة متواصلة عبر الصور والتوقعات والتأويلات والسيناريوهات والرموز التي يصنعها عقله بلا انقطاع. ومن هنا لم يعد الإنسان يعيش داخل عالمٍ واحد، بل داخل عالمين متداخلين: عالم الوقائع، وعالم التمثّلات.
ولعلّ أكثر ما يكشف هذه الحقيقة هو التشابه البنيوي العميق بين ما يعيشه الإنسان أثناء نومه في صورة “أضغاث أحلام”، وما يعيشه أثناء يقظته في صورة “أضغاث أوهام”. فالحلم ليس إلا تمثّلًا داخليًا ينفصل مؤقتًا عن الرقابة المنطقية التي يفرضها الواقع الخارجي، فيعيد العقل تركيب الصور والرغبات والمخاوف والذكريات داخل مشاهد تبدو أثناء النوم حقيقية تمامًا. غير أن المفارقة الأكثر إثارة تتمثل في أن الإنسان حين يستيقظ لا يغادر هذا “العالم التمثّلي” بصورة كاملة، بل ينتقل فقط من شكلٍ إلى شكل آخر من أشكال التمثّل.
فالإنسان في يقظته يظن غالبًا أنه يعيش داخل “الواقع”، بينما تشير طبيعة الوعي البشري إلى أن القسم الأعظم مما يسميه واقعًا ليس سوى طبقات كثيفة من التأويلات النفسية والرمزية والاجتماعية. فهو لا يرى الناس كما هم، بل كما يتخيلهم. ولا يتعامل مع المستقبل كما هو، بل كما يتمثله داخل مخاوفه وآماله. ولا يحب الآخر كما هو في ذاته، بل كما يصنعه خياله العاطفي. بل إن الإنسان قد يقضي سنوات كاملة وهو يطارد صورة ذهنية عن النجاح أو السلطة أو الحب أو الخلاص، دون أن ينتبه إلى أن ما يسعى إليه قد يكون تمثّلًا ذهنيًا أكثر منه حقيقة قابلة للتحقق.
ومن هنا يمكن النظر إلى الوهم بوصفه “الحلم الذي لم ينقطع بالاستيقاظ”. فكما يصنع العقل أثناء النوم سيناريوهات لا تستند إلى الواقع الفيزيائي المباشر، فإنه يستمر في أثناء اليقظة في إنتاج سيناريوهات أخرى أكثر تعقيدًا، لكنه يمنحها هذه المرة غطاءً عقلانيًا واجتماعيًا يجعلها تبدو مشروعة ومنطقية. ولهذا لا تختلف كثير من الأوهام البشرية الكبرى عن الأحلام إلا في أن المجتمع بأكمله قد يشارك في تصديقها.
فالإنسان لا يحلم ليلًا فقط، بل يحلم سياسيًا، ودينيًا، وعاطفيًا، واقتصاديًا، وحضاريًا. يحلم بالأمم الخالدة، وبالنقاء المطلق، وبالعدالة الكاملة، وبالحب الأبدي، وبالنجاح النهائي، وبالخلود الرمزي، وبالانتصار الذي سينهي كل صراعاته الداخلية. غير أن هذه الأحلام، حين تدخل إلى فضاء اليقظة، تتحول إلى أوهام كبرى تعيد تشكيل التاريخ نفسه، فتنتج الحروب، والثورات، والانهيارات، والأسواق، والأيديولوجيات، وسائر البنى التي يحاول الإنسان من خلالها أن يمنح فائض التمثّل معنىً قابلًا للاحتمال.
ولعلّ أخطر ما في الأمر أن الإنسان كثيرًا ما يعجز عن التمييز بين الواقع وتمثّلاته عنه. فالعقل البشري لا يتعامل مع الحقيقة مباشرة، بل عبر نماذج داخلية يبنيها باستمرار. وهذا ما يجعل الإنسان قادرًا على أن يخاف من شيء لم يحدث، وأن يتألم بسبب سيناريو لم يقع، وأن يعيش القلق بسبب مستقبل لا وجود له بعد. ومن هنا يصبح الوهم قوة بايولوجية حقيقية، لأن الجسد ذاته يتفاعل مع التمثّلات كما لو كانت وقائع مادية؛ فيرتفع الأدرينالين بسبب فكرة، ويتسارع القلب بسبب احتمال، وينهار الإنسان نفسيًا تحت ضغط أحداث لم تقع أصلًا إلا داخل رأسه.
وهكذا يبدو أن الانعطافة التطورية الأولى لم تمنح الإنسان العقل بوصفه أداة معرفة فحسب، بل منحته في الوقت ذاته قدرة مرعبة على الانفصال عن الواقع والعيش داخل تمثّلاته الخاصة. فالحيوان يعود إلى الواقع بمجرد زوال المؤثر الخارجي، أما الإنسان فيستطيع أن يستمر في معاناة خوفٍ متخيَّل، أو عشقٍ متخيَّل، أو مجدٍ متخيَّل، أو عدوٍّ متخيَّل، لسنوات وربما لعقود كاملة.
ومن هنا يمكن القول إن الإنسان هو الكائن الذي لا يتوقف عن الحلم أبدًا؛ فهو إن نام أنتج “أضغاث أحلام”، وإن استيقظ أنتج “أضغاث أوهام”. وفي الحالتين معًا يبقى أسيرًا لفائض التمثّل الذي حوّل العقل من أداة للتكيّف مع العالم إلى مصنعٍ هائل للصور والاحتمالات والتمثّلات التي قد تكون، في كثير من الأحيان، أبعد ما تكون عن الواقع نفسه.

أضف تعليق