الإنسان بوصفه انقطاعًا بايولوجيًا… هل أخطأ العلم حين افترض الاستمرارية المطلقة؟

من أكثر المسلَّمات رسوخًا في الوعي العلمي المعاصر تلك الفكرة التي ترى أن الإنسان ليس إلا امتدادًا تطوريًا متصلًا بالحيوان، وأن كل ما يميّزه يمكن تفسيره بوصفه نتيجة تراكم تدريجي بطيء خضع، في نهاية المطاف، للآليات نفسها التي حكمت بقية الكائنات الحية عبر ملايين السنين من النشوء والانتخاب والاصطفاء الحيوي. ومن هنا ترسخت صورة ذهنية تكاد تبدو اليوم غير قابلة للمساءلة، مفادها أن الفارق بين الإنسان والحيوان ليس إلا فرقًا في الدرجة، وليس في الطبيعة؛ أي أن الإنسان لا يمثل قطيعة حقيقية داخل التاريخ البايولوجي، بل يمثل فقط أكثر مراحله تعقيدًا.
غير أن التأمل الدقيق في أحوال الإنسان يقود إلى مفارقة شديدة العمق: فكلما ازداد الإنسان “إنسانية”، ازداد ابتعادًا عن المنطق الذي يحكم الاقتصاد الطبيعي للكائنات الأخرى. فالحيوان، مهما بلغ تعقيده، يبقى محكومًا بسلسلة من القيود الصارمة التي تمنعه من تبديد الطاقة في ما لا يخدم البقاء أو التناسل أو الحفاظ على التوازن الحيوي. أما الإنسان فقد أصبح الكائن الوحيد الذي يستهلك القسم الأعظم من حياته النفسية والعقلية والعاطفية في أنشطة وتمثّلات لا تحقق أي منفعة بايولوجية مباشرة، بل كثيرًا ما تتحول إلى أدوات تدمير للذات وللنوع معًا. ومن هنا يظهر السؤال الذي جرى التهرب منه طويلًا: هل يمكن حقًا تفسير هذا الانفجار الهائل في “فائض التمثّل” بوصفه مجرد امتداد تدريجي لمنطق الطبيعة ذاته؟ أم أننا أمام لحظة انقطاع حقيقية لا يزال الفكر العلمي عاجزًا عن الاعتراف بها صراحة؟
إن الإنسان لا يتميز عن الحيوان بامتلاكه عقلًا أكبر قليلًا أو لغة أكثر تعقيدًا فحسب، بل يتميز قبل كل شيء بأنه أصبح يعيش داخل عالم رمزي موازٍ للعالم الواقعي. فهو الكائن الذي لا يكتفي بمواجهة الوقائع كما هي، بل يعيد إنتاجها داخله في صورة لا نهائية من التوقعات والتأويلات والمخاوف والآمال والهويات والعقائد والرموز. فالإنسان هو الكائن البايولوجي الوحيد الذي يستطيع أن يخاف من المستقبل قبل أن يأتي، وأن يعاني من أحداث لم تقع بعد، وأن يشن الحروب من أجل أفكار لا وجود مادّيًا لها، وأن يقتل ويموت دفاعًا عن راية أو سردية أو عقيدة أو “معنى”.
وهنا تحديدًا تبدأ القطيعة الحقيقية مع اقتصاد الطبيعة. فالطبيعة، كما تكشفها البايولوجيا، لا تعمل وفق منطق التبذير، بل وفق اقتصاد صارم في الإنفاق الحيوي. فالكائن الطبيعي لا يحتفظ بوظيفة مكلفة ما لم تكن ذات نفع مباشر، ولا يسمح باستمرار آلية تستنزف الطاقة دون مقابل تكيفي واضح. ومن هنا فإن معظم السلوكيات الحيوانية، مهما بدت معقدة، تبقى مرتبطة بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالبقاء أو التناسل أو حماية المجال الحيوي.
أما الإنسان فقد خرج، بصورة يصعب تجاهلها، من هذا الاقتصاد الطبيعي المغلق. فهو يستهلك نفسه في القلق والغيرة والحسد والكراهية والعار والندم والطموح العقائدي والصراعات الرمزية والتأويلات اللامتناهية والبحث القهري عن المعنى، بل إن الحضارة الإنسانية نفسها تبدو، من زاوية معينة، وكأنها تراكم متواصل لتجليات فائض التمثّل أكثر مما هي استمرار بسيط للوظيفة الحيوية.
فاللغة عند الإنسان لم تعد مجرد أداة تواصل وظيفي كما هي الإشارات عند الحيوان، بل تحولت إلى فضاء انفجاري من المعاني والرموز والاستعارات والتناقضات والتأويلات. والتفكير الديني لم يعد مجرد استجابة للخوف الطبيعي، بل أصبح منظومات ميتافيزيقية كاملة تعيد تعريف الكون والوجود والموت والمعنى. والسياسة لم تعد تنظيمًا للبقاء المشترك، بل صارت صراعًا بين تصورات رمزية متخيلة عن العدالة والهوية والمستقبل. وحتى الحب والكراهية والغيرة لم تعد استجابات تنظيمية بسيطة، بل تحولت إلى عوالم نفسية معقدة قادرة على تدمير الإنسان من الداخل. ومن هنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: كيف سمح منطق الانتخاب الطبيعي، القائم على الاقتصاد الصارم للطاقة، بظهور كائن يعيش بهذا الشكل الهائل من الهدر التمثّلي؟
إنّ المشكلة هنا لا تكمن في الإقرار بالتطور ذاته، بل في الصورة التبسيطية التي جرى تقديمه بها، بوصفه خطًا متصلًا وسلسًا لا يعرف القفزات النوعية أو الانقطاعات الجذرية. ذلك أن كل ما نعرفه عن الإنسان يوحي بأن شيئًا ما قد حدث في مرحلة ما من تاريخه البعيد. وهو شيءٌ لا يبدو قابلًا للاختزال بسهولة إلى مجرد زيادة كمية تدريجية في القدرات الإدراكية. فالإنسان لا يبدو مجرد “حيوان أذكى”، بل يبدو كائنًا دخل طورًا وجوديًا مختلفًا بالكامل؛ وهو طورٌ أصبحت فيه التمثّلات أقوى من الوقائع نفسها، وأصبح فيه الوهم قادرًا على قتل الإنسان بنفس قدرة الخطر الحقيقي، وأصبحت الرموز والهويات والأفكار تتحكم بالسلوك تحكمًا قد يفوق سيطرة الحاجات الحيوية ذاتها.
وهنا تكتسب السردية القرآنية عن آدم والأكل من الشجرة أهمية فلسفية ومعرفية استثنائية. فهذه السردية، حين تُقرأ بعيدًا عن التناول الوعظي الضيق، تبدو وكأنها تحتفظ بصورة رمزية مكثفة عن لحظة انتقال الإنسان من حالة الانسجام الحيوي البسيط إلى حالة الوعي التمثّلي المتضخم. فآدم، بعد الأكل من الشجرة، لم يكتسب مجرد “معرفة” بالمعنى المدرسي، بل يدخل في حالة جديدة بالكامل: يشعر بالعار، ويصبح واعيًا لذاته بوصفه ذاتًا منفصلة، ويبدأ في إدراك نفسه والعالم بطريقة لم تكن موجودة من قبل.
ومن هنا يمكن النظر إلى “الشجرة” بوصفها رمزًا لتحول معرفي-وجودي هائل، ليس بوصفها مجرد اختبار أخلاقي بسيط. أي أنها تمثل لحظة الخروج من اقتصاد الطبيعة إلى اقتصاد التمثّل؛ من البراءة الحيوية إلى فائض الإدراك؛ من الكائن المنسجم مع الطبيعة إلى الكائن الممزق بين الواقع والصورة، وبين الوجود وتمثّله.
ولعلّ ما يجعل هذه القراءة شديدة الخطورة معرفيًا أنها لا تحاول استخدام الدين لنقض العلم، ولا استخدام العلم لنقض الدين، بل تسعى إلى الكشف عن احتمال أن تكون السرديات الدينية الكبرى قد احتفظت، بصيغ رمزية، بذاكرة بعيدة عن تلك القطيعة التي عجز الفكر الحديث عن تفسيرها بصورة مكتملة.
وهكذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل تطور الإنسان؟ بل: هل كان تطوره متصلًا وسلسًا حقًا كما جرى افتراضه، أم أن الإنسان يمثل، في لحظة ما، انقطاعًا جذريًا في منطق التاريخ البايولوجي المعروف؟
إن من أكثر المواقف انسجامًا مع المنهج العلمي هو ليس إنكار المشكلة، بل الاعتراف بها. فالعلم الحقيقي لا يقوم على حماية النماذج التفسيرية من الأسئلة المقلقة، بل على امتلاك الشجاعة للاعتراف بأن بعض الظواهر قد تشير إلى حدود النموذج نفسه. والإنسان، بكل ما يحمله من فائض تمثّل، ومن قلق وجودي، ومن تضخم رمزي، ومن قدرة على الخروج الكارثي على اقتصاد الطبيعة، قد يكون أعظم هذه الظواهر جميعًا.

أضف تعليق