
في عام 1990، أصدر المؤرخ الأمريكي كيركباتريك سيل كتابه التفكيكي الشهير “كريستوفر كولومبوس وغزو الفردوس”، ليكون بمثابة صرصة معرفية في وجه الأساطير التي نسجتها المركزية الأوروبية حول “البطل المكتشف”. وبعدها بسنتين فقط، التقطت السينما العالمية من خلال المخرج ريدلي سكوت شقّاً من هذا العنوان في فيلمه الملحمي1492” :غزو الفردوس”. لكن المفارقة الكبرى تجلت في أن السينما، كعادتها في مغازلة المخيال الغربي، خانت عمق الكتاب؛ فبينما كان المؤلف يُشرح العقلية الأوروبية الجشعة التي دمرت فردوساً بيئياً وبشرياً في الكاريبي، كان الفيلم ينهمك في “أنسنة” كولومبوس، مصوراً إياه في لبوس الحالم التنويري المعذب الذي أفسد النبلاء الأشرار طينته النقية.
إن هذا التقاطع المشوه بين دقة المؤرخ وبريق الشاشة يضعنا أمام ضرورة ملحة لا تقبل التأجيل؛ ضرورة إعادة كتابة تاريخ الحملة الإسبانية نحو ما سُمي بـ “العالم الجديد”. لقد حان الوقت لإزاحة الستار عن الخطاب المزيف الذي دثَّر هذه الحملة بعباءة “التبشير ونشر الحضارة”، والبدء في تسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية.
تبدأ إعادة الكتابة العادلة من تفكيك “الهدف الأساسي” للرحلة. فالفحص الجيوسياسي للقرن الخامس عشر يثبت أن محرك السفن القشتالية لم يكن الفضول الجغرافي، ولا التقوى الدينية التي صبغت بها الممالك الأوروبية تحركاتها؛ بل كان الدافع الخفي والأساسي هو انقطاع شريان الحياة التجاري لأوروبا بعد سقوط القسطنطينية عام 1453، وبسط الإمبراطورية العثمانية سيطرتها المطلقة على طرق التجارة البرية والبحرية نحو الشرق وآسيا. فـ “الصبغة الدينية” كانت مجرد الغطاء الإيديولوجي الأنيق الذي استُخدم لتبرير السعي المحموم وراء مخرج اقتصادي بديل، يفك عقدة الحصار العثماني.
ومع أول وطأة قدم للمستعمر على الجزر الاستوائية، تبخر الغطاء الديني ليحل محله السعار المادي. فلم يكن ما حدث “اكتشافاً”، بل كان بداية لواحدة من أبشع الإبادات الجماعية في التاريخ البشري، قادها “الكونكيستادور” (الغزاة الإسبان)؛ حيث تحول الفردوس الأرضي الذي تغنى به كولومبوس في رسائله الأولى إلى مسلخ بشري مفتوح. وتحت وطأة البحث المسعور عن الذهب، ووهم الوصول إلى أرض “الإلدورادو” الأسطورية، أُبيدت شعوب بأكملها مثل “التاينو” و”الأراواك”.
ولقد وثق التاريخ، رغم محاولات الطمس المتواصلة، كيف كان الغزاة يقطعون أيدي السكان الأصليين إن هم فشلوا في جمع الحصص المطلوبة من تبر الذهب، وكيف سِيقوا إلى مناجم الموت، ناهيك عن الأسلحة البايولوجية التي حملها الأوروبيون في أجسادهم من أوبئة فتكت بمن لم يُقتل بالسيف منهم.
إن إعادة صياغة هذا التاريخ ليست ترفاً فكرياً، بل هي فعل عدالة متأخر لأرواح الملايين الذين دُفنت حضاراتهم تحت أطنان الذهب المنهوب. فالوعي الإنساني المعاصر ينبغي أن يدرك أن “الفردوس” لم يُكتشف لِيُعمر، بل غُزي لِيُدمر، وأن العقلية التي قادت تلك السفن كانت عقلية تاجر مُحاصَر يبحث عن الثروة بأي ثمن، ولو كان هذا الثمن إبادة شعوب آمنة لم تسمع قط بالصراعات الأوروبية – العثمانية.
