الجدال بوصفه تمرّدًا على اقتصاد الطبيعة… كيف صنع فائض التمثّل كائنًا لا يكف عن السؤال؟

من أكثر الظواهر البشرية إثارةً للتأمل تلك النزعة العميقة إلى الجدل التي لازمت الإنسان في مختلف العصور والحضارات والثقافات. فالإنسان لا يكتفي بالسؤال طلبًا للمعرفة، ولا يكتفي بالاستفهام بغية إزالة الجهل أو حلّ مشكلة عملية تواجهه، بل كثيرًا ما يتحول السؤال عنده إلى غاية مستقلة بذاتها، ويصبح الجدل نشاطًا قائمًا بذاته، يستمر حتى بعد انتفاء كل فائدة عملية يمكن أن تترتب عليه.
ولعلّ ما يجعل هذه الظاهرة أكثر إثارةً للاهتمام أن عالم الأحياء بأسره يكاد يخلو منها. فالحيوان قد يستكشف بيئته، وقد يتعلم، وقد يختبر، وقد يتردد بين بدائل متعددة، لكنه لا يدخل في مناقشات لا تنتهي حول ماهية الوجود، ولا حول أصل الزمن، ولا حول حقيقة الحرية، ولا حول ما إذا كانت البيضة سبقت الدجاجة أم الدجاجة سبقت البيضة. فهذه الأسئلة، على الرغم من جاذبيتها الذهنية الهائلة، لا تحمل أي قيمة مباشرة من منظور “اقتصاد الطبيعة” الذي يحكم الكائنات الحية الأخرى.
فالطبيعة، عبر ملايين السنين من النشوء والارتقاء، قامت على مبدأ شديد الصرامة يتمثل في ترشيد الإنفاق الحيوي. فلا طاقة تُستهلك إلا حيث توجد منفعة، ولا جهد يُبذل إلا إذا كان يخدم البقاء أو التناسل أو حماية الفرد والنوع. ولهذا تبدو معظم آليات الكائنات الحية الأخرى شديدة الاقتصاد والدقة. أما الإنسان فقد بدا، بعد الانعطافة التطورية الأولى، وكأنه خرج خروجًا جذريًا من هذا النظام. فمع نشوء فائض التمثّل لم يعد العقل البشري يتعامل مع العالم كما هو، بل أصبح يتعامل مع تمثلات العالم وصوره وتأويلاته وإمكاناته وافتراضاته. ومن هنا وُلدت القدرة على بناء سلاسل لا نهائية من الأسئلة التي يمكن أن تستمر إلى غير نهاية دون أن تبلغ نقطة استقرار نهائية.
وهكذا تحول السؤال من وسيلة إلى غاية، ومن أداة للمعرفة إلى مجال مستقل لاستهلاك المعرفة وإعادة إنتاجها. فالسائل في كثير من الأحيان لا يسأل لأنه يريد جوابًا، بل لأنه يريد استمرار عملية السؤال ذاتها. وما إن يُجاب عن سؤال حتى يولد سؤال آخر، ثم سؤال ثالث، حتى تصبح العملية برمتها أقرب إلى دوران ذاتي داخل فضاء التمثلات.
ولقد قدمت الفلسفة اليونانية القديمة واحدًا من أوضح الأمثلة على ذلك؛ فقد انشغل الفلاسفة بسلسلة طويلة من المجادلات التي لا يمكن حسمها بصورة نهائية، والتي أصبحت فيما بعد جزءًا من التراث المنطقي والفلسفي للإنسانية. ومن أشهرها معضلة البيضة والدجاجة: أيهما جاء أولًا؟ البيضة أم الدجاجة؟ وهي مسألة تبدو بسيطة ظاهريًا، لكنها تتحول بسرعة إلى متاهة من الافتراضات والتعريفات والتأويلات التي تسمح باستمرار الجدل إلى ما لا نهاية.
والأمر نفسه يَصدُق على عشرات الأسئلة الأخرى: هل الزمن حقيقي أم وهم؟ هل الحرية موجودة أم أن كل شيء حتمي؟ هل العقل يكتشف الحقيقة أم يصنعها؟ وهل يمكن إثبات وجود العالم الخارجي أصلًا؟ فهذه الأسئلة لا تؤدي بالضرورة إلى تحسين فرص البقاء أو زيادة اللياقة البايولوجية، لكنها تستنزف قدرًا هائلًا من الطاقة العقلية التي لا يعرف عالم الحيوان لها نظيرًا.
ومن هنا يمكن النظر إلى الجدل بوصفه واحدًا من أبرز أعراض فائض التمثّل، وذلك حين أصبح الإنسان يعيش داخل عالم من الرموز والتصورات والافتراضات، حيث لم يعد قادرًا على الاكتفاء بالاستجابة المباشرة للواقع. بل أصبح مضطرًا إلى التعامل مع تمثلات الواقع وتمثلات تمثلات الواقع، ثم مع التأويلات المتعددة لهذه التمثلات، في سلسلة لا تكاد تنتهي حلقاتها.
ولهذا فإن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يقضي عمره كله في مناقشة أسئلة لا يمكن حسمها، وأن يؤسس المدارس الفكرية والمذاهب الفلسفية والعقائدية المتصارعة حولها، وأن يخوض الحروب أحيانًا بسببها، وأن يورّث هذه المجادلات للأجيال اللاحقة كما لو كانت جزءًا من ميراثه الطبيعي.
إن الجدل، من هذه الزاوية، ليس مجرد مهارة عقلية أو وسيلة معرفية، بل هو شاهد آخر على ذلك التحول الجذري الذي أخرج الإنسان من اقتصاد الطبيعة إلى اقتصاد التمثّل. ففي اللحظة التي أصبح فيها الإنسان قادرًا على تمثل العالم داخل ذهنه، أصبح أيضًا قادرًا على الجدال حول تلك التمثلات إلى ما لا نهاية. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد الإنسان يعيش داخل العالم وحده، بل داخل شبكة لا تنتهي من الأسئلة التي يصنعها عن العالم، وعن نفسه، وعن الأسئلة ذاتها.

أضف تعليق