العنف العقائدي بوصفه ظاهرة ما بعد-طبيعية… كيف جعل فائض التمثّل الإنسان يقتل من أجل أفكار لا وجود مادّيًا لها؟

من بين جميع أشكال العنف التي عرفها التاريخ، يبقى العنف العقائدي واحدًا من أكثرها إثارةً للحيرة. فالحيوان يقتل ليأكل، أو ليدافع عن نفسه، أو ليحمي مجاله الحيوي، أو ليؤمّن فرص التناسل. وحتى حين يبدو عنيفًا، فإن عنفه يبقى محكومًا بأسباب مباشرة يمكن فهمها ضمن منطق البقاء الذي يحكم عالم الطبيعة بأسره، أما الإنسان فقد أضاف إلى هذه القائمة نوعًا جديدًا من العنف لم تعرفه الطبيعة قبله، والمتمثل بالعنف من أجل فكرة. فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يقتل إنسانًا آخر لأنه يختلف معه في تفسير نص ديني، أو في تصور إله ما، أو في فهم التاريخ، أو في تعريف الأمة، أو في تأويل الحقيقة.
وهنا يبرز سؤال شديد الخطورة: كيف نشأ هذا النوع من العنف أصلًا؟ فلو كان الإنسان مجرد امتداد متطور للحيوان، لكان المتوقع أن يبقى العنف عنده، مهما ازداد تعقيدًا، مرتبطًا بالموارد أو البقاء أو المصالح المباشرة. لكن ما حدث هو شيء مختلف تمامًا. فلقد أصبح الإنسان قادرًا على خوض حروب مدمرة بسبب أمور لا وجود مادّيًا لها أصلًا. فهو لا يقتل فقط من أجل الخبز، بل من أجل الراية. ولا من أجل الأرض فقط، بل من أجل الفكرة التي يحملها عن الأرض. ولا من أجل الجماعة فقط، بل من أجل الصورة الذهنية التي كوّنها عن الجماعة. وهذا التحول يكشف عن قطيعة عميقة مع منطق الطبيعة.
ففي عالم الحيوان لا توجد حروب بين أتباع نظريتين مختلفتين. ولا مذابح بسبب خلافات ميتافيزيقية. ولا حملات إبادة من أجل تأويل معين للحقيقة. ولا ملايين القتلى دفاعًا عن تصور تجريدي للمستقبل. وكل ذلك ينتمي إلى عالم الإنسان وحده. وهو ما يجعل العنف العقائدي واحدًا من أقوى الأدلة على أن الإنسان لا يعيش داخل الواقع فقط، بل داخل تمثّلاته عن الواقع.
فالإنسان لا يتفاعل مع الأشياء كما هي، بل مع المعاني التي ينسبها إليها. وهنا يظهر دور فائض التمثّل. فالتمثّل لا يقتصر على إدراك العالم، بل يشمل إعادة بنائه داخل الذهن. وكلما ازدادت قدرة الإنسان على بناء الرموز والتصورات، ازدادت قدرته على الدفاع عنها وكأنها جزء من وجوده ذاته. ومن هنا يمكن فهم ظاهرة تبدو غريبة للوهلة الأولى: لماذا يشعر الناس أحيانًا أن نقد فكرة يؤمنون بها يشبه الاعتداء عليهم شخصيًا؟ والسبب أن الفكرة لم تعد مجرد فكرة، فلقد أصبحت جزءًا من الهوية، والهوية بدورها أصبحت جزءًا من تمثّل الإنسان لذاته. وهكذا يتحول الدفاع عن العقيدة إلى دفاع عن النفس، بل قد يصبح الدفاع عن الرمز أهم من الدفاع عن الحياة نفسها. وهذا ما لا يمكن فهمه ضمن الاقتصاد البايولوجي التقليدي.
فالطبيعة لا تطلب من الكائن أن يموت من أجل فكرة، أما الإنسان فقد فعل ذلك آلاف المرات عبر التاريخ، بل إن بعض أعظم المذابح لم تقع بسبب الجوع أو الفقر أو الصراع على الموارد، بل بسبب الاختلاف حول معانٍ ورموز وتأويلات. ومن هنا فإن العنف العقائدي لا يمثل مجرد شكل من أشكال العنف، بل يمثل انتقال العنف نفسه إلى مستوى جديد؛ مستوى ما بعد-طبيعي، أي المستوى الذي لم يعد فيه الصراع يدور حول أشياء موجودة ماديًا، بل حول أشياء موجودة داخل الوعي. وهنا تكمن فرادة الإنسان وخطورته في آن واحد. فالحيوان يهاجم خصمه الحاضر أمامه، أما الإنسان فقد يهاجم عدوًا لم يره قط. وقد يكره جماعة كاملة لمجرد ما تمثله في ذهنه، وقد يخوض حربًا بسبب حدث وقع قبل مئات السنين، وقد يقتل باسم مستقبل لم يولد بعد. فالإنسان هو الكائن الذي استطاع أن يحوّل الماضي والمستقبل والخيال والتأويل إلى دوافع للعنف. ومن هنا يمكن القول إن العنف العقائدي هو أحد أكثر تجليات فائض التمثّل تطرفًا. فكلما تضخمت الرموز، تضخمت إمكانية الصراع حولها. وكلما ازداد انغماس الإنسان في عالم المعاني، ازداد احتمال أن تتحول هذه المعاني إلى خطوط فاصلة بين “نحن” و”هم”، بل أن كثيرًا من الأيديولوجيات الحديثة، رغم إعلانها القطيعة مع منظومة التدين، إلا أنها أعادت إنتاج البنية نفسها. فقدمت سرديات للخلاص. ووعدت بمستقبل مثالي. ورسمت صورة للخير المطلق والشر المطلق. وطالبت أتباعها بالتضحية من أجل قضايا تتجاوز مصالحهم الفردية المباشرة. وكأن البنية العميقة للعنف العقائدي أقدم من الأديان والأيديولوجيات نفسها؛ إذ أنها متجذرة في طبيعة الإنسان التمثّلية، وفي قدرته على تحويل الأفكار إلى حقائق نفسية أقوى أحيانًا من الحقائق المادية.
ومن هنا تكتسب السردية القرآنية عن آدم والشجرة بعدًا إضافيًا. فإذا كان الأكل من الشجرة يمثل لحظة الانفجار التمثّلي العظيم، فإن العنف العقائدي يمكن اعتباره واحدًا من أبعد نتائجها التاريخية.
فالإنسان الذي أصبح قادرًا على بناء أنظمة رمزية معقدة، أصبح أيضًا قادرًا على القتل دفاعًا عنها. فالقدرة على إعادة تأويل الدين مرات ومرات وكذلك القدرة على انتاج الفلسفة والأيديولوجيا هي إحدى أوجه هذا التحول. أما القدرة على القتل باسمها فهي وجهه المظلم.
ولهذا السبب لا يمكن فهم تاريخ العنف الإنساني من خلال الاقتصاد أو السياسة وحدهما. فكثير من الصراعات كانت في جوهرها صراعات على المعنى، وصراعات على الهوية، وصراعات على التمثّلات التي يحملها الناس عن أنفسهم وعن العالم. وهنا تظهر إحدى أعظم مفارقات الإنسان. فالكائن الذي أنتج الأخلاق هو نفسه الذي أنتج الحروب العقائدية. والكائن الذي بحث عن الحقيقة هو نفسه الذي سفك الدماء باسمها. والكائن الذي شيّد المعابد والمكتبات هو نفسه الذي أحرقها. وذلك لأن المصدر واحد في الحالتين: فائض التمثّل؛ إذ أنه المصدر الذي منح الإنسان القدرة على تجاوز الطبيعة، لكنه منحه في الوقت نفسه القدرة على تجاوز حدود العنف الطبيعي أيضًا.
وهكذا فإن السؤال الحقيقي لا يعود: لماذا يمارس الإنسان العنف؟ بل: لماذا أصبح الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يقتل بسبب فكرة؟ ولماذا تحولت الرموز والتأويلات والعقائد عنده إلى دوافع قد تكون أقوى من الغرائز الحيوانية نفسها؟ ذلك لأن الإجابة عن هذا السؤال قد تكشف أن أخطر ما نتج عن الانعطافة التطورية الكبرى في تاريخ الإنسان لم يكن ازدياد ذكائه، بل ازدياد قدرته على العيش داخل عالم التمثّلات إلى درجة أصبح معها مستعدًا للموت والقتل دفاعًا عن أشياء لا وجود لها خارج ذلك العالم.

أضف تعليق