الإنسان بوصفه الكائن غير الطبيعي… هل يمثل الإنسان شذوذًا داخل التاريخ البايولوجي؟

من بين جميع المسلمات التي ترسخت في الفكر الحديث، ربما لا توجد مسلمة أكثر رسوخًا من الاعتقاد بأن الإنسان جزء من الطبيعة، وأن كل ما يميزه يمكن تفسيره في نهاية المطاف ضمن القوانين نفسها التي تحكم بقية الكائنات الحية. وللوهلة الأولى يبدو هذا التصور معقولًا إلى حد بعيد. فالإنسان يمتلك جسدًا بيولوجيًا، ويخضع لقوانين الوراثة، ويحتاج إلى الغذاء والماء والهواء، ويشترك مع الكائنات الأخرى في نسبة كبيرة من مادته الوراثية. ولذلك يبدو طبيعيًا أن يُنظر إليه بوصفه مجرد فرع متقدم من شجرة الحياة. غير أن التأمل العميق في الظاهرة الإنسانية يقود إلى مفارقة مقلقة: فكلما ازددنا معرفة بالإنسان، وجودنا صعوبة أكبر في اعتباره كائنًا طبيعيًا بالمعنى الدقيق للكلمة. والمقصود هنا ليس أنه كائن خارق للطبيعة أو منفصل عنها وجوديًا، بل أنه أصبح، في كثير من جوانب سلوكه ووعيه وتنظيمه الاجتماعي، يعمل بطريقة تبدو متعارضة مع المنطق الذي يحكم بقية العالم الحيوي. فنظام الطبيعة، كما نعرفه، يقوم على الاقتصاد الطبيعي. أما نظام الانسان فيقوم على التضخم. والطبيعة تقوم على الوظيفة. أما الإنسان فيقوم على المعنى. والطبيعة تميل إلى ترشيد الطاقة. أما الإنسان فيبدد كميات هائلة من الطاقة في أمور لا تحقق منفعة حيوية مباشرة.
ومن هنا يظهر السؤال الذي نادرًا ما يُطرح بصيغته الصريحة: ماذا لو كان الإنسان يمثل حالة شاذة داخل النظام الطبيعي نفسه؟ فالحيوان لا يدخل في أزمة وجودية. ولا يعاني من فقدان المعنى. ولا يشن حروبًا بسبب تفسير مختلف لنص أو عقيدة أو رمز. ولا يستهلك حياته في القلق بشأن المستقبل البعيد. ولا يحيا داخل شبكة لا تنتهي من المقارنات الاجتماعية والتمثّلات النفسية. أما الإنسان فقد أصبح يفعل كل ذلك بصورة يومية، بل إن القسم الأعظم من حياته النفسية لم يعد مرتبطًا بالواقع المباشر، وإنما بالصور التي يصنعها عن الواقع. وهنا تظهر أولى علامات “اللاطبيعية” الإنسانية. فالطبيعة لا تعرف المال. ولا الحدود السياسية. ولا القوميات. ولا الأيديولوجيات. ولا الشهرة. ولا المكانة الاجتماعية بالمعنى الذي يعرفه الإنسان. ولا العقائد الفلسفية. ومع ذلك فإن هذه الأشياء أصبحت تحرك السلوك البشري أحيانًا أكثر من الحاجات البيولوجية نفسها. فالإنسان قد يموت دفاعًا عن وطن أو عن راية أو عن عقيدة أو عن فكرة أو عن تفسير للتاريخ. وهي كلها كيانات لا وجود لها في الطبيعة خارج الوعي البشري.
وهذا ما يجعل الإنسان الكائن الوحيد الذي يعيش داخل واقعين في الوقت نفسه: الواقع الطبيعي والواقع التمثّلي. وفي كثير من الأحيان يصبح الواقع الثاني أكثر تأثيرًا من الأول، بل إن الإنسان قد يضحي بحياته كلها دفاعًا عن بناء رمزي من صنعه هو نفسه. ومن هنا يمكن النظر إلى الإنسان بوصفه الكائن الذي غادر الطبيعة دون أن يستطيع مغادرتها بالكامل. فهو لا يزال محتاجًا إلى الطعام والماء والنوم، لكنه أصبح في الوقت نفسه محتاجًا إلى الاعتراف والمعنى والهوية والانتماء والتقدير والخلود الرمزي. أي أنه يعيش بين نظامين مختلفين، النظام الحيوي القديم والنظام التمثّلي الجديد. وهذا التمزق بين النظامين هو ما يمنح الإنسان فرادته ومأساته في آن واحد، فلو كان الانسان خاضعًا بالكامل للطبيعة، لعاش مثل بقية الكائنات. ولو كان متحررًا منها بالكامل، لما احتاج إلى الجسد أصلًا. ولكنه عالق بين هذين العالمين. ومن هنا تنشأ معظم تناقضاته. فهو كائن محدود يحلم باللامحدود. وفانٍ يبحث عن الخلود. وجسد بيولوجي يسعى إلى معانٍ تتجاوز البيولوجيا. ومخلوق “استثنائي” كثيراً ما تتعارض سلوكياته مع النظام الذي تقوم عليه الطبيعة.
ولعلّ هذا ما يفسر فشل كثير من النماذج التفسيرية في الإحاطة بالإنسان. فالنماذج البيولوجية الصرفة تختزل الإنسان إلى كيانه البايولوجي فحسب. أما النماذج المثالية الخالصة فتتجاهل جذوره الحيوية، في حين أن الواقع يشير إلى أنه كائن يجمع بين الأمرين بكيفية متوترة ومأزومة. وهنا يبرز مفهوم فائض التمثّل بوصفه محاولة لفهم هذا التحول. فالإنسان لم يصبح غير طبيعي لأنه فقد بيولوجيته، بل لأنه أضاف إليها طبقة جديدة من الوجود لم تعد خاضعة بالكامل لمنطق الاقتصاد الحيوي. فلقد أصبح يعيش داخل الرموز بقدر ما يعيش داخل العالم المادي. ومن هذه الطبقة الجديدة نشأت اللغة والفلسفة والفن والحضارة والسياسة والأيديولوجيا، لكن منها نشأت أيضًا الكراهية والقلق والاغتراب والحروب العقائدية والبحث المستمر عن المعنى؛ إذ أنها الطبقة التي صنعت الكينونة البشرية وجعلتا تبدو، من زاوية معينة، أشبه بخطأ جميل أو بمفارقة كونية داخل تاريخ الحياة.
ومن هنا تكتسب السردية القرآنية عن آدم والشجرة معنى مختلفًا. فإذا كانت الشجرة تمثل لحظة الانتقال من الوعي الحيوي إلى الوعي التمثّلي، فإن الإنسان بعد هذه اللحظة يصبح فعلًا كائنًا غير طبيعي بالمعنى السابق، ليس لأنه خرج من قوانين الطبيعة الفيزيائية أو البيولوجية، بل لأنه خرج من منطقها السلوكي والوجودي. فلقد أصبح الكائن الذي لم يعد يكفيه أن يكون، بل يريد أن يعرف لماذا يكون. والكائن الذي لم يعد يكتفي بالحياة، بل يطالب بأن تكون للحياة غاية. والكائن الذي لم يعد يواجه الموت بوصفه نهاية بيولوجية فقط، بل بوصفه مشكلة فلسفية ودينية وأخلاقية ونفسية. وهذا كله لا نجده في أي كائن آخر نعرفه. ولهذا السبب فإن الإنسان يبدو، من منظور ميتابايولوجي، حالة استثنائية لا يمكن اختزالها بسهولة إلى مجرد امتداد كمي للحيوان. فهو ليس خارج الطبيعة، لكنه لم يعد داخلها بالكامل أيضًا. حيث أنه الكائن الذي يقف على الحدود الفاصلة بين العالم الطبيعي وعالم التمثّلات. ومن هذا الموقع الحدودي نشأت قدرته على ان يكون عظيماً وكل مأساته أيضاً.
وهكذا فإن السؤال الحقيقي لا يعود: هل الإنسان جزء من الطبيعة؟ بل: ما الذي حدث حتى أصبح الجزء الوحيد من الطبيعة الذي يشعر بأنه غريب عنها؟ ولماذا أصبح الكائن الوحيد الذي يبدو وكأنه يحمل في أعماقه حنينًا دائمًا إلى حالة من الانسجام لا يستطيع العودة إليها، ولا يستطيع التوقف عن البحث عنها؟ لأن الإجابة عن هذا السؤال قد تكشف أن الإنسان ليس مجرد أكثر الكائنات ذكاءً، بل أكثرها ابتعادًا عن البساطة الطبيعية التي لا تزال تحكم بقية أشكال الحياة حتى اليوم.

أضف تعليق