
اعتاد الإنسان المعاصر أن ينظر إلى نفسه بوصفه ذروة المسار التطوري، وأن يرى في ذكائه ولغته وحضارته وعلمه دلائل واضحة على نجاح استثنائي لم تعرفه بقية الكائنات الحية. ومن هذه الزاوية يبدو التاريخ الإنساني وكأنه قصة صعود متواصل؛ انتقال من البساطة إلى التعقيد، ومن الجهل إلى المعرفة، ومن العجز إلى السيطرة على قوى الطبيعة. غير أن لهذه الصورة وجهًا آخر أقل ظهورًا وأكثر إزعاجًا. فكل مكسب عظيم حققه الإنسان كان مصحوبًا بثمن عظيم أيضًا تعين عليه دفعه. وكلما ازداد اتساع عالمه الرمزي، ازدادت معه أشكال المعاناة التي لم تعرفها الطبيعة من قبله. ومن هنا يبرز سؤال يكاد يكون محرمًا في كثير من الأحيان: ماذا لو لم يكن فائض التمثّل نعمة خالصة؟ ماذا لو كان، في جانب منه، خسارة تطورية؟ إن مجرد طرح هذا السؤال يفرض علينا أن ننظر إلى الإنسان من زاوية مختلفة تمامًا. فالحيوان يعيش داخل حدود واضحة رسمتها له الطبيعة. فهو يعرف الجوع والشبع، والخوف والأمان، والألم والراحة، لكنه لا يبدو مثقلًا بذلك الكم الهائل من الأعباء النفسية والوجودية التي يحملها الإنسان. أما الإنسان فقد أصبح الكائن الذي لا يكفيه الواقع. فهو يعاني مما حدث. ومما لم يحدث. ومما قد يحدث. ومما كان يمكن أن يحدث. وهو يعيش داخل الماضي والمستقبل بقدر ما يعيش داخل الحاضر، بل إن القسم الأعظم من معاناته لا يأتي من الواقع نفسه، بل من تمثّلاته للواقع. وهنا تظهر المفارقة الكبرى. فالقدرة التي منحت الإنسان اللغة والفلسفة والعلم والفن، هي نفسها التي منحته القلق والاكتئاب والاغتراب والحسد والكراهية والشعور بالعبث والخوف من الموت. فالمصدر واحد وهو فائض التمثّل. فالإنسان لا يتألم بسبب الألم فحسب، بل بسبب فكرته عن الألم. ولا يخاف الموت فحسب، بل يخاف توقع الموت. ولا يعاني من الفشل فحسب، بل من الصورة التي يبنيها عن فشله. وهكذا أصبح الوعي نفسه مصدرًا مستمرًا للمعاناة.
ولعلّ هذا هو ما يفسر ظاهرة غريبة في التاريخ الإنساني، فكلما تقدمت الحضارة ماديًا، لم تختفِ المعاناة النفسية كما كان متوقعًا، بل كثيرًا ما ازدادت تعقيدًا. فلقد نجح الإنسان في التغلب على عدد هائل من الأخطار الطبيعية، لكنه لم ينجح في التغلب على الأخطار التي صنعها وعيه، بل إن بعض أخطر أعدائه أصبحوا يعيشون داخله. فالخوف والقلق والشعور بالنقص والغيرة والحسد والندم والفراغ الوجودي. وهي كلها ظواهر يصعب العثور على ما يماثلها في عالم الحيوان. ومن هنا يمكن القول إن الإنسان لم يخرج من الطبيعة دون ثمن. فلقد دفع مقابل ذلك جزءًا من راحته الوجودية. فالحيوان لا يحتاج إلى معنى للحياة. أما الإنسان فقد أصبح عاجزًا عن العيش طويلًا دون معنى. والحيوان لا يحتاج إلى تبرير وجوده. أما الإنسان فقد أمضى آلاف السنين يبحث عن هذا التبرير. والحيوان لا يعاني من أزمة هوية. أما الإنسان فقد جعل الهوية واحدة من أعقد مشكلاته. وكأن فائض التمثّل لم يضف إلى الإنسان قدرات جديدة فحسب، بل أضاف إليه احتياجات جديدة أيضًا. احتياجات لا تستطيع الطبيعة نفسها إشباعها. ومن هنا يمكن فهم جانب كبير من التاريخ البشري بوصفه محاولة للتعامل مع فائض التمثل هذا. فالدين يمكن قراءته بوصفه محاولة لإعادة المعنى. والفلسفة هي محاولة لإعادة الفهم. والفن هو محاولة لإعادة الجمال. والأخلاق هي محاولة لإعادة النظام. والحضارة هي كلها محاولة لإعادة بناء توازن فقده الإنسان عندما خرج من حالة الانسجام الحيوي الأولى. لكن المفارقة أن هذه المحاولات نفسها أصبحت جزءًا من المشكلة أحيانًا. فإذا كان الدين الحق قد جاء بالخلاص، فإن التدين الخاطئ قد جاء بالحروب العقائدية. والفلسفة أنتجت الحكمة، لكنها أنتجت الشك والعدمية كذلك. والحضارة أنتجت الراحة، لكنها أنتجت الاغتراب أيضًا. وكأن الإنسان كلما حاول معالجة آثار فائض التمثّل، استخدم الأدوات نفسها التي أنتجت هذه الآثار أصلًا. ومن هنا يبدو الإنسان كمن يحمل في داخله مفارقة مستمرة. فهو الكائن الأكثر قدرة على الإبداع. والأكثر قدرة على المعاناة في الوقت نفسه. والكائن الأكثر وعيًا. والأكثر عرضة للتمزق بسبب هذا الوعي. ولعلّ هذا ما يفسر الحنين الإنساني الدائم إلى البساطة. فكثير من الفلسفات الروحية والدينية تدعو إلى العودة إلى حالة من الصفاء أو السكينة أو التسليم أو العيش في الحاضر. وكأن الإنسان يشعر، بصورة واعية أو غير واعية، أنه فقد شيئًا كان يملكه قبل أن يغرق في عالم التمثّلات.
وهنا تكتسب السردية القرآنية عن آدم والشجرة دلالة استثنائية. فإذا كان الأكل من الشجرة يمثل لحظة “الانفجار التمثّلي العظيم”، فإن الخسارة التطورية الحقيقية لم تكن مجرد الخروج من مكان إلى مكان، بل الدخول في نمط جديد من الوجود؛ وهو نمط يجعل الإنسان يرى أكثر، لكنه يتألم أكثر. ويفهم أكثر، لكنه يحتار أكثر. ويتخيل أكثر، لكنه يقلق أكثر. فلقد أصبح الإنسان قادرًا على إنتاج الجمال والمعرفة والفلسفة. لكنه أصبح قادرًا أيضًا على إنتاج الكراهية واليأس والعبث والدمار. ومن هنا فإن التمثّل يبدو كأنه يحمل وجهين متلازمين لا يمكن فصلهما، وجه مضيء صنع الحضارة ووجه مظلم صنع المأساة الإنسانية. ولهذا السبب لا يمكن النظر إلى فائض التمثّل بوصفه مكسبًا خالصًا أو خسارة خالصة، فهو الحدث الذي صنع الإنسان نفسه لكنه صنع معه جميع تناقضاته أيضًا. وهكذا فإن السؤال الحقيقي لا يصبح: ماذا منحنا فائض التمثّل؟ بل: ما الثمن الذي دفعناه مقابله؟ وهل كان الانتقال من براءة الطبيعة إلى الوعي التمثّلي خطوة إلى الأمام فحسب، أم كان في الوقت نفسه بداية ذلك العبء الوجودي الهائل الذي لا يزال الإنسان يحمله على كتفيه منذ اللحظة التي أصبح فيها إنسانًا؟
