سوسيولوجيا الوهم… لماذا يعيش الإنسان داخل حقائق رمزية لا وجود لها في الطبيعة؟

من بين جميع الأسئلة التي يطرحها التأمل في الظاهرة الإنسانية، ربما لا يوجد سؤال أكثر إثارةً للحيرة من هذا السؤال: كيف استطاع ملايين البشر، بل ملياراتهم، أن يتعاونوا ويتصارعوا ويبنوا الحضارات ويخوضوا الحروب من أجل أشياء لا وجود مادّيًا لها؟ فالإنسان، على خلاف جميع الكائنات الأخرى، لا يعيش داخل الواقع الفيزيائي وحده، بل داخل عالم موازٍ من الرموز والمعاني والتصورات المشتركة. وهو لا يتصرف بناءً على ما تفرضه عليه الطبيعة مباشرة فحسب، بل بناءً على ما يؤمن به، وما يتخيله، وما يتفق مع الآخرين على اعتباره حقيقة، حتى وإن لم يكن له وجود محسوس في العالم الخارجي. وهنا تكمن إحدى أكثر الظواهر غرابة في التاريخ البشري. فالطبيعة لا تعرف الدول. ولا تعرف الحدود. ولا تعرف العملات. ولا تعرف الجنسيات. ولا تعرف المناصب. ولا تعرف الشرف الاجتماعي. ولا تعرف الأسواق المالية. ولا تعرف الحقوق القانونية. ومع ذلك فإن هذه الأشياء أصبحت من أكثر القوى تأثيرًا في حياة الإنسان، بل أن الإنسان قد يضحي بحياته كلها دفاعًا عنها، وقد يقتل من أجلها، وقد يبني حضارات كاملة حولها. وهنا يبرز السؤال الجوهري: كيف نشأت هذه “الحقائق” التي لا وجود لها في الطبيعة؟ إن الجواب التقليدي يشير إلى الحاجة إلى التنظيم الاجتماعي. وهذا صحيح جزئيًا. لكن السؤال الأعمق يبقى قائمًا: كيف أصبح الإنسان قادرًا أصلًا على العيش داخل منظومات رمزية بهذا الحجم والتعقيد؟ فالذئاب تعيش في جماعات، والنمل يعيش في مستعمرات، والنحل يبني مجتمعات معقدة، لكن أياً من هذه الكائنات لا يبني مؤسسات قانونية أو نظمًا اقتصادية أو هويات قومية أو عقائد سياسية. فهذه الكائنات تتعاون داخل إطار حيوي مباشر. أما الإنسان فقد تجاوز هذا الإطار بالكامل. وهنا يظهر فائض التمثّل بوصفه المفتاح التفسيري الأهم. فالإنسان لا يرى الواقع فقط، بل يعيد إنتاجه داخل ذهنه في صورة رموز ومفاهيم وقصص وسرديات. ثم لا يكتفي بذلك، بل يشارك هذه التمثّلات مع الآخرين. ومع الزمن تتحول هذه التمثّلات المشتركة إلى حقائق اجتماعية؛ أي إلى أشياء لا وجود مادّيًا مستقلًا لها، لكنها تصبح مع ذلك قادرة على توجيه السلوك الجمعي. خذ مثال المال؛ فالورقة النقدية ليست، في ذاتها، سوى قطعة من الورق، لكن مليارات البشر يتعاملون معها بوصفها مخزنًا للقيمة. والسبب هو ليس في الورق نفسه، بل في التمثّل الجماعي الذي يمنحه هذه القيمة. ولو اختفى هذا التمثّل، لتحولت الورقة فورًا إلى شيء عديم القيمة تقريبًا. والأمر نفسه ينطبق على الدولة؛ فالدولة ليست جبلًا أو نهرًا أو شجرة؛ فهي بناء رمزي قائم على اعتقاد مشترك، ومع ذلك فإنها تستطيع تحريك الجيوش، وفرض القوانين، وجمع الضرائب، وتغيير مصائر الملايين. ومن هنا يمكن القول إن المجتمع البشري نفسه قائم على ما يمكن تسميته “الحقائق التمثّلية”. أي الحقائق التي توجد لأنها ممثلة داخل الوعي الجمعي. وهذا ما لا نجده في عالم الحيوان. فالحيوان يتفاعل مع الوقائع المباشرة، أما الإنسان فيتفاعل مع الوقائع ومع تمثّلاتها في الوقت نفسه، بل أن التمثّلات كثيرًا ما تصبح أكثر تأثيرًا من الوقائع ذاتها. فالإنسان قد يشعر بالفخر بسبب عَلمٍ يرفرف فوق مبنى أو بالخوف بسبب شعار أو بالغضب بسبب رواية تاريخية أو بالاستعداد للموت بسبب فكرة عن الوطن أو الدين أو العدالة. وكل هذه الأشياء تنتمي إلى العالم التمثّلي أكثر مما تنتمي إلى العالم المادي. ومن هنا فإن المجتمع الإنساني يبدو، من زاوية معينة، وكأنه أعظم مشروع جماعي لإدارة الوهم. والمقصود بالوهم هنا ليس الكذب أو الخداع بالضرورة، بل الحقائق الرمزية التي يخلقها الإنسان ثم يعيش داخلها كما لو أنها كانت جزءًا من الطبيعة نفسها. فالحضارة كلها تقوم على هذا الأساس؛ فاللغة هي اتفاق رمزي، والقانون هو الآخر اتفاق رمزي، وكذا الحال مع الاقتصاد ومع الهوية، بل أن التاريخ ذاته لا يصل إلينا إلا من خلال سرديات وتمثّلات.
وهكذا يصبح الإنسان الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يبني عالمًا كاملًا من الأشياء غير المادية، ثم يعيش داخله ويعيد تشكيل الواقع وفقًا له. ومن هنا يمكن فهم كثير من الصراعات البشرية، فالحروب ليست دائمًا صراعًا على الموارد، بل كثيرًا ما تكون صراعًا بين تمثّلات مختلفة للواقع، والثورات لا تنشأ بسبب الفقر فحسب، بل بسبب التصورات المختلفة للعدالة، والانقسامات الاجتماعية لا تقوم فقط على المصالح، بل على الهويات والرموز والانتماءات. أي على ما يسكن العقول أكثر مما يسكن الأرض.
وهنا تكتسب السردية القرآنية عن آدم والشجرة بعدًا جديدًا؛ فإذا كان الأكل من الشجرة يمثل لحظة الانفجار التمثّلي العظيم، فإن المجتمع البشري نفسه يمثل أحد أعظم نتائج هذا الانفجار. فالإنسان بعد هذه اللحظة لم يعد يعيش داخل الطبيعة وحدها، وإنما أيضاً داخل عالم من التمثّلات المشتركة التي صنعها بنفسه. ومن هذا العالم ولدت القبائل والأمم والامبراطوريات والأساطير والأسواق والجامعات والدساتير والفنون والعلوم، أي كل ما نسميه حضارة؛ لكن من هذا العالم نفسه ولدت الانقسامات، والتعصبات، والحروب الإيديولوجية، والصراعات العقائدية، والكراهية الجماعية. وما ذلك إلا لأن المصدر واحد، وهو القدرة على تحويل التمثّل إلى حقيقة اجتماعية. ومن هنا فإن السؤال الحقيقي لا يعود: كيف نشأت المجتمعات البشرية؟ بل: كيف أصبح الإنسان قادرًا على الإيمان الجماعي بأشياء لا وجود لها في الطبيعة، ثم بناء تاريخه كله على أساس هذا الإيمان؟ ولماذا لم تظهر هذه القدرة عند أي كائن بايولوجي آخر؟ وذلك لأن الإجابة عن هذا السؤال قد تكشف أن المجتمع البشري ليس مجرد امتداد متطور للتجمعات الحيوانية، بل هو ظاهرة جديدة بالكامل نشأت عندما أصبح الإنسان قادرًا على العيش داخل عوالم رمزية مشتركة، وعلى تحويل هذه العوالم إلى قوة تاريخية تفوق في تأثيرها كثيرًا من قوى الطبيعة نفسها.

أضف تعليق