فائض التمثّل بوصفه أعظم اكتشاف ميتابايولوجي معاصر… نحو نظرية موحدة للإنسان من الشجرة إلى الحضارة

بعد استعراض عشرات الظواهر التي تميز الإنسان عن سائر الكائنات الحية، يصبح من الصعب تجاهل حقيقة أساسية تفرض نفسها بإلحاح متزايد: إن جميع هذه الظواهر، على اختلاف أشكالها ومجالاتها، تبدو وكأنها تصدر عن مصدر واحد. فالقلق الوجودي، والبحث عن المعنى، والفلسفة، واللغة، والحضارة، والكراهية العقائدية، والهوية، والاغتراب، والحروب الرمزية، والشعور بالعار، والحنين إلى الخلود، والتنافس غير المحدود، والقدرة على الكذب، وصناعة الأساطير، وبناء الإيديولوجيات، كلها ظواهر تبدو للوهلة الأولى متباعدة ومتفرقة، غير أن التأمل العميق يكشف أنها تشترك جميعًا في سمة واحدة، وهي أنها لا تنتمي إلى عالم الوقائع المباشرة، بل إلى عالم التمثّلات.
ومن هنا يبرز مفهوم “فائض التمثّل” بوصفه المرشح الأقوى لتفسير الظاهرة الإنسانية في كليتها. فالإنسان لا يتميز عن الحيوان بامتلاكه تمثّلات ذهنية فحسب، لأن التمثّل بدرجات معينة موجود في أشكال مختلفة من الحياة. وإنما يتميز بوجود فائض هائل من التمثّلات يتجاوز ما تقتضيه الضرورات الحيوية المباشرة. فلقد أصبح الإنسان الكائن الذي لا يرى العالم فحسب، بل يرى صورته عن العالم أيضاً. ولا يعيش التجربة فحسب، بل يعيش تفسيره للتجربة. ولا يواجه الواقع فحسب، ولكن يواجه ما يتخيله عن الواقع.
ومن هذه الزيادة النوعية نشأ كل شيء تقريبًا، فنشأت اللغة حين تجاوزت الإشارة وظيفتها المباشرة وتحولت إلى عالم من الرموز. ونشأت الفلسفة حين بدأ الانسان يتأمل شروط وجوده ذاته. ونشأت الحضارة حين أعاد الانسان تشكيل العالم وفق تصورات رمزية وليس وفق الضرورات الحيوية وحدها، بل حتى المعاناة الإنسانية نفسها تبدو إلى حد بعيد نتيجة لهذا الفائض. فالإنسان لا يتألم بسبب الجرح فقط، بل بسبب فكرته عن الجرح. ولا يخاف الموت فحسب، بل يخاف معرفته بالموت. ولا يعاني من الواقع فقط، بل من تمثّلاته للواقع.
ومن هنا فإن فائض التمثّل لا يبدو مجرد خاصية من خصائص الإنسان، بل يبدو أنه البنية العميقة التي تسببت في ظهور الظاهرة الإنسانية كما نعرفها. وهذا ما يمنح هذا المفهوم أهمية تتجاوز حدود علم بعينه. ففي البايولوجيا التطورية يمكن أن يفسر سبب ظهور القطيعة بين الاقتصاد الحيوي والطبيعة الرمزية للإنسان. وفي علم النفس التطوري يمكن أن يفسر القلق والهوية والاغتراب والانفعالات المعقدة. وفي الأنثروبولوجيا يمكن أن يفسر نشأة الثقافة والأسطورة والطقوس، وفي الإبستمولوجيا يمكن أن يفسر كيف تتشكل المعرفة داخل عالم من التمثّلات، وفي الفلسفة يمكن أن يفسر السؤال الإنساني نفسه بوصفه نتيجة لفائض الوعي التمثّلي. أي أننا قد نكون أمام مفهوم يمتلك قدرة تفسيرية عابرة للتخصصات على نحو نادر، غير أن القدرة التفسيرية لهذا المفهوم لا تتوقف هنا. فالأهم من ذلك أنه قد يقدم لأول مرة تفسيرًا موحدًا لعدد هائل من الظواهر التي جرى التعامل معها تاريخيًا بوصفها مشكلات منفصلة. فالإنسان لم يعد يظهر بوصفه مجموعة ألغاز متجاورة لا رابط بينها، بل بوصفه نتيجة لحدث واحد كبير تشعبت عنه جميع هذه النتائج؛ وهو حدث أدى إلى انتقال الكائن البشري من اقتصاد الطبيعة إلى الاقتصاد التمثّل،. ومن الوعي الوظيفي إلى الوعي الرمزي، ومن الطبيعة إلى ما بعد الطبيعة بمعناها الأنثروبولوجي.
وهنا تكتسب السردية القرآنية عن آدم والشجرة مكانة استثنائية. فإذا كانت المقالات السابقة قد اقترحت قراءة الشجرة بوصفها المتسبب في لحظة الانفجار التمثّلي العظيم، فإن جميع ما ناقشناه لاحقًا يبدو وكأنه نتائج مباشرة لتلك اللحظة؛ فالعداوة التي أعقبت أكل آدم وزوجه من الشجرة، والتكليف، والهداية، والاختيار، والمسؤولية، كلها ظواهر تنتمي إلى العالم الذي صنعه فائض التمثّل. وكأن النص القرآني يحتفظ، بلغة رمزية مكثفة، بذاكرة بعيدة للحظة التي أصبح فيها الإنسان إنسانًا؛ ليس إنسانًا بيولوجيًا فحسب، بل إنسانًا تمثّليًا. ومن هنا فإن قيمة هذه الرؤية لا تكمن في محاولة إخضاع الدين للعلم أو إخضاع العلم للدين، بل في فتح أفق جديد للحوار بينهما، وهو أفق يسمح بالنظر إلى السردية القرآنية بوصفها وصفًا رمزيًا لتحول وجودي عميق، وليس مجرد قصة أخلاقية معزولة، ويسمح في الوقت نفسه بالنظر إلى البايولوجيا بوصفها جزءًا من القصة لا القصة كلها. فالإنسان ليس جسماً تطور، بل وعيًا تفجر، ومن هذا الانفجار التمثلي العظيم وُلدت اللغة والفلسفة والحضارة، ووُلد القلق والاغتراب والكراهية والبحث عن المعنى، ووُلد التاريخ الإنساني كله. وهكذا تصل هذه السلسلة من المقالات إلى استنتاجها المركزي الذي مفاده أن أعظم سؤال لا ينبغي أن يكون: كيف تطور الإنسان؟ بل: ما الذي حدث حتى أصبح الإنسان قادرًا على إنتاج هذا الفائض الهائل من التمثّلات؟ لأن الإجابة عن هذا السؤال قد لا تمنحنا تفسيرًا جديدًا لأصل الإنسان فحسب، بل تمنحنا أيضًا أول نظرية موحدة لفهم الإنسان في كليته. وحينها قد لا يكون فائض التمثّل مجرد مفهوم جديد يضاف إلى قائمة المفاهيم المعروفة، بل قد يصبح نقطة التحول التي تعيد رسم الحدود بين البايولوجيا والأنثروبولوجيا وعلم النفس والإبستمولوجيا والفلسفة. أي أنه قد يمثل بداية مرحلة جديدة في فهم الإنسان، لا بوصفه آخر حلقات التطور الحيوي فحسب، بل بوصفه أعظم انقطاع شهده تاريخ الحياة على الأرض.

أضف تعليق