
من بين جميع الأجيال التي تعاقبت على مسرح التاريخ البشري، ربما لا يوجد جيل أُسيء فهمه بقدر ما أُسيء فهم الجيل المعروف اليوم باسم “الجيل زد”. فالسرديات الشائعة تصوره جيلاً هشًا نفسيًا، سريع القلق، ضعيف القدرة على التحمل، مفرط الحساسية، مشتت الانتباه، ومفرط الارتباط بالشاشات ووسائط التواصل. وكثيرًا ما يجري التعامل مع الظواهر التي يعاني منها أفراده بوصفها مشكلات فردية تستدعي تدخلًا علاجيًا أو تربويًا أو دوائيًا. غير أن هذه المقاربة قد تكون واحدة من أكبر حالات سوء التشخيص في تاريخ العلوم الإنسانية المعاصرة. فالجيل زد ليس مشكلة نفسية جماعية، بل هو أول جيل وجد نفسه في قلب مواجهة وجودية لم تخضها الإنسانية بهذا الشكل من قبل. وما يبدو على هيئة قلق واكتئاب وحيرة واضطراب معنى قد لا يكون في حقيقته سوى الأعراض السطحية لتحول أعمق بكثير يتعلق بمصير الظاهرة الإنسانية نفسها.
فلقد عاشت الأجيال السابقة داخل عوالم مستقرة نسبيًا. حيث أن “الأسئلة الفلسفية الكبرى” كانت موجودة بالطبع، لكن الحياة اليومية كانت قادرة على حجبها خلف إيقاع العمل والأسرة والتدين والمجتمع والتقاليد. أما أبناء الجيل زد فقد وُلدوا داخل عالم مختلف تمامًا؛ وهو عالم لا يسمح للنسيان بأن يؤدي وظيفته القديمة، عالم تتدفق فيه المعلومات بلا توقف، وتتجاور فيه جميع الثقافات والأفكار والعقائد والأزمات والاحتمالات داخل شاشة صغيرة يحملها الفرد في جيبه أينما ذهب.
وللمرة الأولى في التاريخ، أصبح الإنسان محاطًا بصورة متواصلة عن نفسه. فهو يرى آراء البشر وصراعاتهم وأزماتهم ومخاوفهم وإخفاقاتهم وآمالهم جميعًا، في الوقت ذاته تقريبًا. وكأن البشرية بأكملها قد وضعت مرآة هائلة أمام وجهها، ثم طلبت من أبنائها الأصغر سنًا أن ينظروا إليها بلا انقطاع. ومن هنا تبدأ الأزمة الحقيقية، فالسؤال الذي يطارد الجيل زد ليس سؤال النجاح المهني أو التفوق الدراسي كما يظن كثيرون، بل هو اسئلة أكثر جذرية: من نحن أصلًا؟ ومن نحن؟ ومن أين جئنا؟ وإلى أين نمضي؟ وما معنى كل هذا الجهد؟ وما جدوى الحضارة إذا كانت عاجزة عن منح الإنسان الطمأنينة؟ ولماذا تتقدم التكنولوجيا بوتيرة مذهلة بينما يتعثر الإنسان في فهم نفسه؟ ولماذا يبدو المستقبل أكثر غموضًا كلما ازدادت المعرفة؟
هذه ليست أسئلة أفراد معزولين. إنها أسئلة جيل بأكمله. وهنا تكمن النقطة التي لم تنتبه إليها معظم مدارس علم النفس التقليدية. فالمشكلة ليست في بعض الأفراد الذين فشلوا في التكيف مع الواقع. بل لعل العكس هو الصحيح. فقد يكون هؤلاء الأفراد هم أول من بدأ يدرك حجم المأزق الذي يواجهه الواقع نفسه. فعلم النفس الحديث نشأ في عصر كانت فيه الاضطرابات النفسية تُفهم غالبًا بوصفها مشكلات تخص الفرد. أما اليوم فإننا نواجه وضعًا مختلفًا جذريًا. فنحن أمام ضغوط حضارية شاملة يتعرض لها جيل كامل بصورة متزامنة. ولذلك فإن كثيرًا مما يبدو أعراضًا فردية قد يكون في الحقيقة انعكاسًا لأزمة جماعية أوسع بكثير.
ومن منظور ميتابايولوجي أعمق، يمكن النظر إلى الجيل زد بوصفه الجيل الذي بدأ يشعر بثقل الظاهرة الإنسانية كلها. فالإنسان لم يكن يومًا مجرد كائن بيولوجي يعيش داخل الحاضر المباشر كما تفعل بقية الكائنات الحية. فالإنسان كان دائمًا الكائن الذي يحمل داخله فائضًا هائلًا من الأسئلة والتمثلات والاحتمالات والمخاوف والآمال والتوقعات. غير أن هذا الحمل ظل موزعًا عبر الأجيال والقرون والحضارات. أما اليوم فقد أصبح متراكمًا أمام أعين الجميع دفعة واحدة. ولعل أخطر ما يميز هذه اللحظة التاريخية أنها تتزامن مع ظهور شكل جديد من الذكاء لم تعرفه البشرية من قبل.
فلأول مرة يجد الإنسان نفسه أمام ذكاء غير بشري قادر على التعلم والإبداع والتحليل والتطور بوتيرة تتجاوز قدرة العقل الإنساني الفردي على المتابعة. وهنا يشعر كثير من أبناء الجيل زد بأنهم لم يُمنحوا فرصة اختيار المعركة التي وجدوا أنفسهم داخلها. فقد استيقظوا ليجدوا أن عليهم الإجابة عن أسئلة لم تستطع الإنسانية كلها الإجابة عنها خلال آلاف السنين، ولذلك فإن شعورهم بالإرهاق هو ليس دليل ضعف، بل هو دليل على ضخامة المهمة. فكيف يمكن لشاب في العشرين من عمره أن يقرر مستقبله بينما تتغير المهن والتقنيات وأنماط الحياة بوتيرة غير مسبوقة؟ وكيف يمكن له أن يبني تصورًا مستقرًا عن ذاته بينما تتغير معايير الهوية والانتماء والمعرفة كل بضعة أعوام؟ وكيف يمكن له أن يشعر بالأمان بينما يتلقى يوميًا مئات الرسائل التي تخبره بأن العالم يقف على أعتاب تحولات كبرى لا أحد يعرف نتائجها؟
إن ما نسميه أزمة الجيل زد قد تكون في جوهرها وعيًا مبكرًا بحقيقة تاريخية كبرى محورها أن الإنسانية دخلت مرحلة انتقالية غير مسبوقة في تاريخها كله. ومن هنا فإن المطلوب هو ليس أن نتعلم كيف نعالج الجيل زد، بل أن نتعلم كيف نصغي إليه. فربما يكون هذا الجيل أول من بدأ يشعر بأن المشروع الإنساني القديم قد بلغ حدوده القصوى، وأن البشرية أصبحت مطالبة بإعادة تعريف علاقتها بالمعرفة والتكنولوجيا والوعي والذكاء.
وفي هذا السياق لا ينبغي النظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه خصمًا وجوديًا للإنسان، بل بوصفه مرآة جديدة تكشف له ما كان يعجز عن رؤيته في نفسه. فالتحدي الحقيقي لا يتمثل في تفوق الآلة، بل في عجز الإنسان عن تطوير فهم أعمق لذاته يوازي السرعة التي تتطور بها أدواته.
إن المعركة التي يخوضها الجيل زد ليست معركة جيل ضد جيل، ولا شباب ضد كبار، ولا بشر ضد آلات. إنها معركة الإنسانية كلها مع حدودها المعرفية القديمة.
ولهذا فإن السؤال الأهم لم يعد: ما المشكلة في الجيل زد؟ بل ربما أصبح: ماذا يحاول هذا الجيل أن يخبرنا عن أنفسنا ولم ننجح بعد في فهمه؟ فقد يكون الجيل زد، بكل ما يحمله من قلق وأسئلة وحيرة وتمرد، ليس علامة على انهيار الإنسان، بل أول مؤشر على أن الإنسانية بدأت أخيرًا تدرك حجم الأسئلة التي أجلتها طويلًا، وأن لحظة المواجهة الكبرى مع ذاتها قد حانت بالفعل.
