الملكة سين… لغز الحواس الضامرة وإمكانية استرجاعها وفقاً لكولن ولسن

في مشروعه الفكري الحافل، لم يتوقف الأديب والمفكر الإنجليزي كولن ولسن عن مساءلة “الوعي البشري المعاصر”، معتبراً إياه وعياً قاصراً ومختزلاً مقارنة بما يمكن أن يكون عليه. وفي هذا السياق، تبرز نظريته المثيرة للجدل حول ما أسماه “المَلَكة سين” (Faculty X)؛ وهي تلك القابلية الحسية والإدراكية الخارقة التي يزعم ولسن أن البشر جميعاً كانوا يمتلكونها يوماً ما في ماضيهم السحيق، قبل أن تطرأ على مسيرتهم التطورية تحولات جذرية أدت إلى ضمور هذه المَلَكة وانزوائها في غياهب العقل الباطن، تاركةً الإنسان الحديث في حالة من “العمى الإدراكي” المؤقت.
يرى ولسن أن “المَلَكة سين” لم تكن مجرد ترف فكري أو موهبة عابرة، بل كانت أداة بيولوجية حاسمة في ملحمة الصراع من أجل البقاء. ففي العصور البدائية، حيث كان أسلافنا يفتقرون إلى التكنولوجيا والأسلحة الفتاكة، كانت هذه المَلَكة تتجلى في قابليات حسية غير تقليدية: سمع خارق يستشعر دبيب النمل، وبصر فائق يخترق العتمة، وقدرة حدسية على التنبؤ بالمخاطر وتتبع الأثر. وهذه “الرهافة الحسية” هي التي مكنت الإنسان البدائي من منافسة الحيوانات المفترسة الشرسة من جهة، ومجاراة الطرائد السريعة من جهة أخرى. فلقد كان أسلافنا يمتلكون اتصالاً هارمونياً (متناغماً) بالطبيعة، يجعل حواسهم تعمل بكفاءة بيولوجية قصوى تضمن استمرار نوعهم وسط عالم يتبارى فيه الأقوياء.
تتطلب المقاربة المعرفية الصائبة لنظرية كولن ولسن عدم الاكتفاء بالنظر إليها كأطروحة “ميتافيزيقية”، بل البحث المتعمق في الأسانيد والحجج التي اعتمد عليها. فلقد اتكأ ولسن على تراث تجريبي ثر غمرت به أدبيات علم النفس والبحوث الأنثروبولوجية، مبرهناً على أن هذه المَلَكة ليست مجرد فرضية، بل حقيقة بيولوجية نلمس شظاياها في حالات فردية مذهلة. ومن أبرز الأمثلة الموثقة التي استشهد بها ولسن في كتاباته:
• ظاهرة التذكر الصوري والذاكرة الفوتوغرافية المطلقة: مثل حالة “شيريشيفسكي” (المعروف بالحالة S في علم النفس العصبي)، الذي كان يمتلك حواساً متداخلة (Synesthesia) وقدرة على استرجاع تفاصيل بصرية حادة بعد مرور سنوات، مما يثبت أن الدماغ البشري يحتفظ بكل شيء لكنه يختار “حجب” هذه البيانات لتسهيل الحياة اليومية.
• حالات الرؤية عن بُعد وتتبع الأثر (Dowsing): حيث رصد الباحثون أفراداً يمتلكون حواساً اهتزازية قادرة على تحديد أماكن المياه الجوفية أو المعادن في باطن الأرض عبر استجابات عضلية وعصبية دقيقة، وهي امتداد مباشر للحواس البدائية.
• حالات “الوعي الشامل” المفاجئ: كالأمثلة التي أوردها عن شعراء ومتصوفة (مثل وليم بليك أو وليم وردزورث) الذين اختبروا لحظات تجلٍّ حسي مكثف، رأوا فيها العالم الخارجي بألوان وتفاصيل تفوق الإدراك المعتاد، وهي حالات اعتبرها ولسن “نوافذ مفتوحة” ترينا ما يمكن للحواس البشرية أن تفعله إذا ما تحررت من القيود التي فرضتها المدنية الحديثة.
عند فحص الجذور الفلسفية لهذه الأطروحة، نجد تقاطعاً عميقاً ومثيراً بين “المَلَكة سين” عند كولن ولسن، ومفهوم “الإنسان المتفوق” (Übermensch) عند الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه. فكلا المفكرين انطلق من تشخيص مشترك: الإنسان الحالي هو ليس غاية التطور، بل هو حلقة وصل، كائن مشوه يعيش دون إمكاناته الحقيقية. فبينما دعا نيتشه إلى تجاوز الإنسان المعاصر (“الإنسان الأخير” المستَهلك والكسول) عبر إرادة القوة وتحطيم القيم البالية للوصول إلى “الإنسان المتفوق” الذي يصنع قيمته بنفسه، فإن كولن ولسن يمنح هذا المفهوم النيتشوي بعداً حركياً وإدراكياً؛ فالإنسان المتفوق عند ولسن هو ليس مجرد بطل تراجيدي أو قائد مدفوع بإرادة القوة، بل هو الإنسان الذي استعاد توازنه البيولوجي والروحي وعادت حواسه لتتصل بالوجود كاملاً عبر “المَلَكة سين”. فنيتشه يطلب التجاوز من خلال الإرادة، وولسن يطرح التجاوز من خلال توسيع رقعة الوعي والإدراك الحسي.
إن الشق الأكثر تفاؤلاً في أطروحة كولن ولسن هو تأكيده على أن هذه المَلَكة لم تختفِ نهائياً، بل دخلت في حالة “بيات شتوي”. ويزعم ولسن أن الإنسان المعاصر، رغم غرقه في المادية والآلية، قادر على استعادة تلك المَلَكة واسترجاع القابليات الفائقة وذلك عِبر اتباع سلوك واعٍ يعيد تفعيل المراكز الضامرة في الدماغ:
1. كسر الرتابة والآلية اليومية اللتين تعملان كمخدر موضعي للحواس وتجعلان الإنسان يعيش في “تنويم مغناطيسي” تفرضه المدنية.
2. توجيه “التركيز الحاد”: ونبذ التشتت المعرفي الرقمي الذي يفتت الانتباه ويفقده عمقه.
3. تطوير قدرات التأمل والحدس والاتصال المباشر بالطبيعة بعيداً عن الوسائط التكنولوجية.
4. استثارة “وعي الأزمة”؛ حيث لاحظ ولسن أن الإنسان عندما يواجه خطراً مفاجئاً أو صدمة جمالية أو فنية كبرى، فإن دماغه يتجاوز آلياته التحليلية الضيقة ويقفز فوراً إلى منطقة “الوعي الشامل”، وهي اللحظة التي تومض فيها المَلَكة سين من جديد.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن الاحتمال يظل قائماً وقوياً بأن يكون أسلافنا قد امتلكوا بالفعل هذه القابليات المتفوقة. ولعل أكبر برهان يدعم هذا الطرح هو عالم الحيوان من حولنا؛ فكثير من الكائنات الحية لا تزال حتى اليوم تبهرنا بقابلياتها الفائقة؛ كقدرة الطيور المهاجرة على الاستدلال بالمجال المغناطيسي للأرض، أو قدرة الكلاب على شم الأمراض، أو السمع الفائق للخفافيش والدلافين. وإذا ما تذكرنا أن الإنسان ليس كائناً منفصلاً، بل لديه ماضٍ تطوري ممتد يتصل بسلفه الحيواني، يصبح من المنطقي جداً أن نكون قد ورثنا يوماً تلك القابليات الحسية الحادة، لكننا استبدلنا بها الوعي العقلاني والتكنولوجي بهدف السيطرة على الطبيعة بدلاً من التناغم معها. إن “المَلَكة سين” ليست خرافة، بل هي الذاكرة البيولوجية المفقودة التي تنتظر من يعيد إشعال شرارتها ليعبر بالبشرية نحو أفق “الإنسان المتفوق”.

أضف تعليق