
حينما أصدر الأديب والمترجم عبد اللطيف شرارة تعريبه لكتاب “نباهة الحيوان” في ثمانينيات القرن الماضي، لم يكن يقدّم مجرد كشكولٍ من الملاحظات الطريفة حول ذكاء الحشرات والطيور والثدييات، بل كان يفتح، من حيث يدري أو لا يدري، نافذةً على واحدة من أعمق معضلات الأنثروبولوجيا وفلسفة العلوم. إن استعراض “النباهة الحيوانية”، بأبعادها التكيفية المحكمة وبناها الاجتماعية الصارمة، يضعنا مباشرةً أمام مرآة عاكسة تُظهر المفارقة الإنسانية الصادمة. فالإنسان، الذي نصّب نفسه سيداً للطبيعة بفضل وعيه، يبدو من المنظور البيولوجي الصِرف الكائن الأكثر هشاشة، والأقل اتساقاً مع نواميس الطبيعة، بل والأكثر “انحرافاً” عن خطها العام.
يستعرض كتاب “نباهة الحيوان” عبر فصوله سلوكيات النمل، والعناكب، والطيور، والثدييات، مبيناً كيف يتحرك الحيوان داخل “غطاء بيولوجي” متكامل. وهذه النباهة ليست مجرد ردود أفعال ميكانيكية، بل هي انسجام تكيفي مطلق؛ حيث يمتلك الحيوان في جيناته وبنيته الجسدية كل ما يحتاجه للبقاء. فالحيوان لا يحتاج إلى “إصلاح كوكبه” لأنه امتداد عضوي له. فهندسة النحل لبيوتها، ومناورات الطيور في هجراتها، ودفاع الزواحف عن حيزها، كلها تشير إلى منظومة محكمة من الاكتفاء الذاتي حيث تتطابق الأداة مع الوظيفة، وحيث الغريزة والذكاء السلوكي يعملان كدرع واقٍ يحمي الكائن من غوائل الطبيعة.
وعلى الضفة الأخرى من كتاب “نباهة الحيوان”، يقف الإنسان ككائنٍ “مجرَّد”. فأولى تجليات الهشاشة الإنسانية تبدأ من سقوط غطائه الشعري (الوبري). وهذا الفقدان الفسيولوجي لم يكن مجرد تغير في المظهر، بل كان إعلاناً عن طرد الإنسان من “الجنة البيولوجية”. فبينما يتحرك الحيوان بنباهة مجهزة بفراء أو ريش أو جلد سميك يحميه ويتداخل مع بيئته، يولد الإنسان عارياً، ضعيف المناعة ضد التقلبات المناخية، مضطراً لابتكار غطاء اصطناعي (الملابس والبيوت). إن عُري الإنسان الجسدي هو الرمز الأول لانفصاله عن الطبيعة، وبداية رحلته في التعويض الثقافي والتكنولوجي عن قصوره البيولوجي.
وفي ما يخص العدوان عند الانسان، وذلك مقارنة بالعدوان عند الحيوان، فلقد وصف كتاب “نباهة الحيوان” العدوان الحيواني بدقة، إذ تحكم هذه العدوانية قوانين صارمة. فالحيوان المفترس يقتل ليعيش، والنزاعات البينية داخل النوع الواحد (على الأنثى أو الإقليم) تنتهي غالباً بانسحاب المهزوم بمجرد ظهور علامات الإذعان، وذلك لأن هناك “كوابحَ غريزيةً” تمنع إبادة النوع.
أما عند الإنسان، فلقد انفرط عقد العدوان، إذ تحول العنف البشري من أداة بيولوجية للبقاء إلى نزعة تدميرية فائضة عن الحاجة، موجهة نحو أبناء جلدته. فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يمارس “الإبادة الجماعية” والقتل الممنهج القائم على الإيديولوجيا والميتافيزيقيا؛ فانفراط هذا العقد التكيفي يشير إلى أن الوعي البشري جاء مصحوباً بخلل بنيوي في ضبط الغرائز، مما جعل الإنسان الكائن الأكثر تهديداً لنفسه ولبيئته.
كما وتتجلى “نباهة الحيوان” في المجال الجنسي في هذا التنظيم الدقيق الذي ينتظم فعالياته كلها جميعاً، وذلك عبر دورة حيوية صارمة (مواسم التزاوج، طقوس التودد، نداءات الهرمونات). فالجنس في الطبيعة وظيفة غايتها المحتومة والمباشرة هي حفظ النوع واستمراره، وينطفئ بدافع حيوي بمجرد انتهاء موسمه. وفي المقابل، يمثل النشاط الجنسي الإنساني خروجاً كاملاً على حدود الطبيعة. فلقد انفصل الجنس عند الانسان عن غايته الإنجابية الحتمية، وتحول إلى نشاط سايكولوجي، ثقافي، ورمزي ممتد على مدار العام دون كوابح موسمية. وهذا التحرر من الانضباط البيولوجي جعل من الجنس مصدراً أساسياً للصراعات النفسية، والتعقيدات الاجتماعية، والاضطرابات السلوكية التي لا نجد لها أثراً في المملكة الحيوانية.
ولقد أشار كتاب “نباهة الحيوان” الى كيفية مواجهة الحيوانات للأمراض والمخاطر بنباهة فسيولوجية ومناعية عالية تحافظ على توازن العشيرة. أما الإنسان فإنه يعاني من تدني مناعته الجسدية مقارنة بالحيوانات البرية (غير المدجنة)، وهو تدنٍ تضاعف مع ارتمائه في أحضان المدنية والتعقيم الاصطناعي.
لكن المظهر الأكثر رعباً في الهشاشة البشرية هو الاستعداد غير المسبوق للإصابة بالأمراض النفسية. فالحيوان لا يمتلك وعياً بالزمن (الماضي كعبء والمستقبل كقلق)، ولا يعاني من أزمات الهوية أو “المعنى”. أما الإنسان، فيمتد لديه طيف الاضطرابات النفسية من القلق الوجودي، والاكتئاب، والفصام، إلى الوساوس القهرية. فالعقل البشري، الذي يمثل أوج التطور، هو نفسه المختبر الذي ينتج عذابات الكائن. فالوعي بالذات، وبالفناء، وبالعجز، يمثل شرخاً سيكولوجياً عميقاً يجعل الإنسان الكائن البايولوجي الوحيد الذي قد يرفض الحياة نفسها.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن قراءة كتاب “نباهة الحيوان” في القرن الحادي والعشرين، وعلى ضوء هذه الطروحات الميتابايولوجية، تنقلنا من الإعجاب الساذج بذكاء الطبيعة إلى التأمل العميق في المأزق البشري.
تثبت البيولوجيا المقارنة أن الإنسان ليس “تطوراً خطياً متفوقاً” للحيوان، بل هو طفرة انقطاعية؛ كائن سقط منه غطاؤه الحيوي، وانفرطت كوابحه الغريزية، وتبعثرت مناعته، واشتعل عقله بالقلق. إن كتاب “نباهة الحيوان” يمثل شهادة على اكتمال الطبيعة في غير الإنسان؛ أما الإنسان، فيبقى ذلك الكائن الهش الذي يحاول، من خلال الفلسفة، والعلم، والفن، أن يجبر كسره البيولوجي ويصنع لنفسه غطاءً ميتافيزيقياً يحميه من صقيع الوجود.
