حيادُ القرآن… كيف يكشف الخطابُ المكّي غيابَ فائض التمثّل عن النص الإلهي؟

من بين الشواهد التي يمكن أن تُقدِّم برهانًا بالغ القوة على أن القرآن الكريم ليس نصًا بشريًا خاضعًا لما يخضع له الإنسان من انفعالات التمثّل، والتمركز حول الذات، والانشداد إلى الخصومة المباشرة، يبرز شاهدٌ قلّما نال ما يستحقه من التفكر، مع أنه من أكثر الشواهد قدرةً على فضح الفارق بين الكلام الإلهي والكلام البشري. ويتمثل هذا الشاهد في مفارقة سلوكية – معرفية لافتة، مفادها أن القرآن، وخصوصًا في سوره المكية التي نزلت في أشد مراحل الدعوة قسوةً وعذابًا واضطهادًا، لم يسمح لواقع الصراع المحلي الذي كان يعيشه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه أن يبتلع جوهر رسالته، أو أن يفرض على هذا الجوهر مفرداته الانفعالية الخاصة، أو أن يحوّل الخطاب القرآني إلى خطاب انتقام من قريش، أو إلى سجلّ شكوى من ظلم المشركين، أو إلى مرافعة نفسية ضد خصوم بعينهم. بل أن الذي حدث كان نقيض ذلك كله تقريبًا؛ ففي الوقت الذي كان فيه الواقع المكي يغلي بأشد صنوف العداوة والإيذاء والتآمر والحصار والتكذيب والسخرية، كان القرآن يرتفع ارتفاعًا مدهشًا فوق هذا الواقع المباشر، ليقدّم للإنسانية خطابًا يتناول الإنسان بوصفه إنسانًا، وليس بوصفه قرشيًا أو مسلمًا أو معاديًا للنبي أو مواليًا له صلى الله تعالى عليه وسلم، وليكشف عن الشر البشري في صيغته الوجودية العامة، وليس في صيغته المحلية الضيقة.
وهنا بالضبط تتجلى المفارقة التي تستحق أن تُقرأ بوصفها علامةً فارقة على المصدر غير البشري لهذا النص. فالخبرة اليومية، بل والخبرة التاريخية أيضًا، تعلّمنا أن الإنسان إذا وقع تحت ضغط الأذى، وخصوصًا إذا طال هذا الأذى وجوده الشخصي وأحبته ومصيره، فإنه يعيد تنظيم عالمه المعرفي والانفعالي على ضوء هذا الجرح. فيصبح الخصم مركز المشهد، وتغدو مفردات الصراع المحلي هي اللغة الغالبة على إدراكه للعالم، ويبدأ العقل، بفعل ما أحدثه فيه فائض التمثّل، في تعميم تجربته الخاصة على الوجود كله، أو على الأقل في جعلها الإطار المرجعي الذي يفسر به الشر والخير، والعداوة والظلم، والناس والأحداث. فإذا كانت هناك خيانة، رُبطت بفلان وعلان. وإذا كان هناك ظلم، حُصر في جماعة مخصوصة. وإذا وقع اعتداء، تحوّل المعتدي المباشر إلى صورة الشر بعينها. وهكذا يضيق الأفق الإنساني تحت وطأة الألم، ليس لأن الإنسان يتعمد ذلك بالضرورة، بل لأن فائض التمثّل يدفعه دفعًا إلى أن يجعل من أزمته الخاصة مرآةً كبرى يرى من خلالها العالم، وأن يخلط بين ما هو عمومي وما هو شخصي، وبين ما هو أنثروبولوجي عام وما هو جرح موضعي عابر، وإن طال.
ومن هنا فإن السلوك البشري المتوقع، لو أن القرآن كان نصًا صادرًا عن بشر يعيش ما عاشه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في مكة، هو أن نرى هذا النص غارقًا في تسمية الخصم، وفي استحضار مظالمه، وفي تدوير الحديث حوله، وفي تحويل شرّه الخاص إلى مركز الثقل التفسيري للشر الإنساني كله. كان المتوقع أن تطغى قريش على الخطاب، ليس بوصفها طرفًا تاريخيًا عارضًا، بل بوصفها النموذج الأوحد للشر، وأن يتلوّن الحديث عن الإنسان بألوان المعاناة المحلية التي عاشها المسلمون الأوائل. وكان المتوقع أيضًا أن تتسلل إلى بنية النص نبرةُ جرحٍ شخصيٍّ واضح، أو مرارةُ مظلوم يكتب من داخل المحنة، أو نزعةٌ إلى الثأر المعنوي من خصوم مارسوا أقصى ما يمكن أن يمارسه البشر من سخرية وإقصاء وتعذيب وتكذيب وملاحقة. غير أن الذي يطالع السور المكية بعين متجردة يكتشف أمرًا آخر تمامًا: يكتشف أن القرآن، بدل أن يحصر الشر في مشركي قريش، أخذ يكشف عن الإنسان في ضعفه البنيوي، وعن النفس البشرية في قابلية الانحراف، وعن الكائن الإنساني في طبيعته القلقة، الجاحدة، العجولة، المجادِلة، الهلوعة، الكنودة، الظلومة، الجهولة، اليائسة، والمغرورة، والمتكبرة، والمكذبة، والمولعة بالاستغناء، والمفتونة بالدنيا، والمنصرفة عن الآخرة، والمخاصمة للحق إذا مسّ مصالحها أو كبرياءها.
إن ما يلفت النظر هنا هو ليس مجرد وجود هذه الأوصاف في القرآن، بل توقيت نزولها وطبيعة صياغتها. فهذه الآيات لم تنزل في زمن رخاء نفسي يسمح بالتأمل البارد في الإنسان من عَلٍ، وإنما نزلت في ذروة الاستهداف، حين كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه يتعرضون لألوان من الأذى تكفي، لو كان كلام بشر، لأن تجعل الخطاب كله يدور حول المعتدي المباشر. ومع ذلك فإن القرآن لم يقل: إن الشر هو شر قريش فحسب، ولا إن الانحراف خاص بهذه الفئة من الناس دون غيرها، ولا إن الكفر والتكبر والجحود صفات مرتبطة بعرق أو قبيلة أو طبقة أو لحظة تاريخية بعينها. بل كان يردّ هذه الانحرافات إلى الإنسان بما هو إنسان، وإلى القابلية البشرية العامة للغواية والغرور والظلم والنسيان والاستكبار. ومن هنا فإننا لا نجد في السور المكية انغماسًا في المحلي بقدر ما نجد انتقالًا عجيبًا من المحلي إلى العالمي، ومن حادثة الاضطهاد المباشر إلى تشريح البنية البشرية التي تجعل الاضطهاد ممكنًا أصلًا.
وهذه النقطة بالذات هي ذات دلالة بالغة إذا قُرأت في ضوء مفهوم فائض التمثّل. ففائض التمثّل، كما تكشفه الخبرة الإنسانية وكما تسمح لنا الميتابايولوجيا بتتبعه، هو تلك القوة التي تجعل الإنسان أسيرًا لصورته، ولجرحه، ولموقعه من الآخرين، ولانفعالاته الخاصة، بحيث يصعب عليه، بل قد يستحيل عليه في كثير من الأحيان، أن يرى الحقيقة وقد تجرّدت من مصلحته وألمه وعداوته وحاجته إلى تبرأة نفسه أو إدانة خصمه. إنه الأثر الذي يحوّل الإدراك من نافذة على الواقع إلى جهاز دفاع عن الذات، ويحوّل اللغة من أداة كشف إلى أداة اصطفاف، ويحوّل السرد من توصيف للحقيقة إلى إعادة ترتيب للعالم على نحو يخدم الجرح الشخصي أو الكبرياء الشخصي أو الرغبة في الانتصار المعنوي. فإذا كان هذا هو حال الإنسان، فإن أعظم ما كان يمكن أن نتوقعه من نص بشري يولد تحت التعذيب والخذلان والملاحقة هو أن يحمل، ولو على نحو غير مباشر، آثار هذا الجرح التمثّلي، والتي تتمثل في تضخيم الخصم وشخصنة الشر وإسقاط التجربة الخاصة على الوجود وتلوين الحقيقة بلون المعاناة الذاتية.
غير أن القرآن، في واحد من أكثر المواقف دلالة على مفارقته للبنية البشرية، لم يفعل شيئًا من ذلك. فلم يسمح للحدث المكي أن يختطف تعريفه للإنسان. ولم يسمح للخصومة مع قريش أن تتحول إلى عدسة يقرأ بها الطبيعة البشرية جمعاء. ولم يسمح للعدو المحلي أن يحتكر صورة الشر، ولا للمحنة الخاصة أن تعيد تشكيل المفاهيم الكلية وفق حاجتها النفسية. بل ظل النص، حتى وهو يواكب المحنة، وفي قلبها، محتفظًا بمسافة معرفية مدهشة بينه وبين الانفعال البشري المتوقع. فلقد بقي يتكلم عن الإنسان كما لو أنه يرى ما هو أبعد من قريش، وأعمق من الأذى المكي، وأرسخ من الملابسات التاريخية التي كانت تحيط بالتنزيل. ولذلك فإن الشر الذي فضحه القرآن لم يكن شر قبيلة ضد قبيلة، ولا شر جماعة ضد جماعة، بل شرًّا موصولًا ببنية الإنسان بعد سقوطه في امتحان الدنيا، وبعد انكشاف قابليته للغواية والعلو والهوى والعمى عن نفسه.
وليس المقصود بهذا أن القرآن لم يذكر المشركين، أو يواجه باطلهم، أو يفضح ممارساتهم. فهذا كلّه واقع في النص، ولا ريب فيه. غير أن الفارق الجوهري هو أن ذكرهم لم يشخصن الرسالة، ولم يتحول إلى مبدأ تفسيري شامل يختزل الشر فيهم. فالقرآن يواجه الفعل التاريخي حيث يجب أن يواجهه، لكنه لا يختزل الحقيقة فيه، ولا يربط فهم حقيقة الإنسان بخصمٍ عابر مهما اشتد خطره. وهذه سمة لا توجد في خطاب بشري يولد من قلب المعاناة. فالبشر حين يكتبون من داخل الجرح، حتى إذا حاولوا الترفع والتجرد، كثيرًا ما تخونهم اللغة، أو تفضحهم الانتقاءات، أو يتسلل الخصم إلى النص من حيث لا يشعرون، بوصفه المركز الخفي الذي يدور حوله الكلام. أما القرآن فقد حافظ على توازن مدهش بين تسمية الباطل ومقاومته من جهة، وبين الارتفاع فوق المحلي إلى مستوى الكشف عن الإنسان في كليته من جهة أخرى.
ومن هنا يمكن القول إن السور المكية لا تقدم لنا مضمونًا عقديًا وأخلاقيًا فحسب، بل تقدم لنا أيضًا برهانًا سلوكيًا على طبيعة مصدرها. فهي تكشف عن نصٍّ لم يخضع، في صميم جوهر رسالته، لواحدة من أكثر الآليات البشرية رسوخًا: آلية تحويل الألم الشخصي إلى معيار للحقيقة، والعداوة المحلية إلى تعريف للشر، والخصم التاريخي إلى مركز للعالم.
إن حياد القرآن هنا ليس حيادًا باردًا أو شكليًا، بل هو حياد معرفي عميق؛ وهو حيادُ نصٍّ يرى الإنسان من الأعلى، ولا يسمح للحظة تاريخية عابرة، مهما كانت موجعة، أن تخالط تعريفه للإنسان، أو أن تدفعه إلى اختزال الشر في أعدائه المباشرين. وهذا في ذاته شاهد هائل الدلالة؛ لأن النص البشري، وخصوصًا إذا كُتب تحت التعذيب والحصار والخذلان، لا يكاد ينجو من هذه الآثار. أما القرآن فقد نجا منها على نحو يبعث على الدهشة، بل ويستدعي السؤال الجوهري: كيف استطاع هذا النص أن يحافظ على كل هذا التجرد، ومشركو قريش يسومون النبي وأصحابه شتى صنوف العذاب؟
إن الجواب الذي يفرض نفسه هنا هو أن هذا التجرد ليس من طاقة الإنسان كما نعرفه، ولا من طاقة عقل تحكمه جراحه وانفعالاته وتمثلاته. فلو كان محمد صلى الله تعالى عليه وسلم هو مَن قام بصياغة هذا النص من عند نفسه، لظهر فيه، ولو في طبقاته العميقة، شيء من الانحيازات التي يفرضها فائض التمثّل على كل خطاب بشري، ولظهرت مرارة التجربة في تعريف الإنسان، أو لتمركزت قريش في صورة الشر، أو لأخذت المظلومية حيّزًا أكبر في تشكيل الرؤية. أما أن ينزل نصٌّ على امتداد سنوات من الاضطهاد، ويبقى قادرًا على تجاوز الجرح المحلي إلى تشريح الإنسان في عمومه، وعلى تجاوز الخصم التاريخي إلى مساءلة الطبيعة البشرية كلها، وعلى تجاوز الرغبة البشرية المفهومة في الثأر إلى خطاب عالمي يتناول الكبر والجحود والظلم والهلع والغرور بوصفها صفات إنسانية عابرة للقبائل والأعراق والطبقات؛ فذلك مما يصعب حمله على العبقرية البشرية وحدها، فضلًا عن أن يُحمل على عقلٍ يعيش تحت الحصار والأذى.
وبهذا المعنى، فإن السور المكية لا تشهد فقط على سموّ أخلاقي أو على بلاغة فريدة، بل تشهد، من زاوية ميتابايولوجية وإبستمولوجية، على غياب فائض التمثّل عن جوهر النص القرآني. فالقرآن لم يكتب من داخل الأنا المجروحة، ولم يصغ العالم على صورة خصومه، ولم يجعل من معاناة النبي محمد صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه مرآةً يختزل فيها الإنسان. بل فعل ما هو أبعد من ذلك كله؛ إذ حوّل أشد لحظات الصراع المحلي قسوةً إلى مناسبة للكشف عن الإنسان في كليته، وعن الشر في جذره الأنثروبولوجي العميق، وعن الحاجة إلى الهداية بوصفها حاجةً تخص الإنسان بما هو إنسان وليس بما هو قرشي أو عربي أو معاصر لمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم.
ومن هنا تغدو هذه المفارقة السلوكية برهانًا معرفيًا بالغ الدلالة. فحين يعجز النص عن أن يكون ثأرًا، مع أن كل الظروف البشرية كانت تدفعه إلى ذلك، وحين يرفض أن يحصر الشر في جلاديه، مع أن كل دوافع النفس البشرية كانت تبرر له هذا الحصر، وحين يظل مشغولًا بتعرية الإنسان لا بتصفية الحساب مع خصوم بعينهم، فإننا نكون أمام نصٍّ لا يتكلم من مستوى الإنسان الجريح، بل من مستوى الحقيقة التي ترى الإنسان كله دفعةً واحدة. وهذه، في ذاتها، شهادة صادقة على أن القرآن لا يمكن أن يكون نصًا بشريًا محضًا، وأن حياده المدهش وسط نار المحنة ليس إلا أثرًا من آثار مصدره الإلهي، وتعاليه عن كل ما يجرّه فائض التمثّل على الإنسان من تحيز، ومرارة، وثأر، وانغلاق داخل الجرح المحلي العابر.
وصدق الله القائل في قرآنه، وفي سورة النساء تحديداً، وفي الآية الكريمة 82 منها: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا}.

أضف تعليق