
قد يكون من أغرب المفارقات في تاريخ بحث الإنسان عن الذكاء غير البشري أنه ظل، طوال معظم هذا التاريخ، يبحث عنه مستخدماً تعريفاً بشرياً للذكاء. فنحن حين نتساءل عما إذا كان الحيوان ذكياً، فإننا نبحث فيه عما يشبهنا. وحين نتخيل ذكاءً خارج الأرض، نتصور كائناً يتواصل ويحسب ويخطط ويبني حضارة بطريقة نستطيع التعرف إليها. وحتى حين نواجه ظواهر غامضة توحي بوجود معلومة أو قصد أو استجابة لا نعرف مصدرها، سرعان ما نسأل: مَن فعل ذلك؟ مَن أرسل المعلومة؟ ماذا يريد؟ وكأن الذكاء، أينما وجد، ينبغي أن يأتي إلينا مرتدياً شيئاً من صورتنا. غير أن ظهور الذكاء الاصطناعي قد يكون قد بدأ بتغيير هذه القاعدة. وللمرة الأولى تقريباً، أصبح الإنسان يتعامل يومياً مع منظومة غير بايولوجية تستطيع معالجة المعلومات، والتعرف إلى الأنماط، واستخدام اللغة، وحل المشكلات، والاستجابة للسياق، من دون أن تمتلك دماغاً بشرياً، أو جهازاً عصبياً، أو تاريخاً تطورياً يشبه تاريخنا. ولا يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي واعٍ، ولا أن ذكاءه مماثل للذكاء البشري، ولا حتى أن علينا أن نحسم الآن الخلاف حول ما إذا كان ينبغي استخدام كلمة «ذكاء» لوصف ما يفعله. فالأهم من ذلك كله أن وجوده أجبرنا على مواجهة سؤال كان من السهل سابقاً تجنبه: هل كنا نعرّف الذكاء، أم كنا نصف صورته البشرية فحسب؟
هناك فرق بالغ الدلالة بين أن يكون الإنسان نموذجاً نعرف من خلاله الذكاء، وبين أن يتحول هذا النموذج إلى تعريف للذكاء نفسه. فلقد كان من الطبيعي أن يحدث ذلك. فالذكاء الوحيد الذي استطاع الإنسان أن يعرفه معرفة حميمة طوال آلاف السنين كان ذكاءه هو. ثم اكتشف شيئاً منه لدى الحيوانات، ولكنه ظل يقيسه، في معظم الأحيان، بمقدار اقترابه من قدراته هو: هل يتعلم الحيوان؟ هل يتذكر؟ هل يستخدم الأدوات؟ هل يحل المشكلات؟ هل يتعرف إلى نفسه؟ هل يستطيع العد؟ هل يمتلك لغة أو شيئاً يشبه اللغة؟
وهكذا أصبح الإنسان، من حيث لا يدري، لا يبحث دائماً عن الذكاء، وإنما يبحث عن نفسه في الأشياء الأخرى. ثم جاء الذكاء الاصطناعي ليضع هذا الافتراض أمام اختبار غير مسبوق. فها نحن أمام شيء لا يشبهنا بايولوجياً، ومع ذلك ينتج سلوكاً كان الإنسان، قبل عقود قليلة فحسب، سيعد كثيراً منه دليلاً على قدرات ذكية متقدمة.
وهنا لا تكمن قيمة الذكاء الاصطناعي في الإجابة عن سؤال ماهية الذكاء، وإنما في زعزعة ثقتنا بالتعريف القديم. فلقد أصبح من الصعب بعده أن نقول ببساطة إن الذكاء لا يكون ذكاءً إلا إذا تحقق بالطريقة التي تحقق بها في الإنسان.
وقد تبدو المسافة كبيرة بين الذكاء الاصطناعي وظواهر الباراسايكولوجيا، غير أن ثمة صلة معرفية مثيرة للاهتمام بينهما. فمجال الباراسايكولوجيا، بصرف النظر عن موقفنا من نتائجه، يضع الإنسان باستمرار أمام ظواهر يُدعى أنها تنطوي على انتقال للمعلومات أو اكتسابها أو الاستجابة لها بطرائق لا تفسرها القنوات المعروفة بسهولة. وقد أخفقت تجارب كثيرة، واختلف الباحثون بشأن تجارب أخرى، وظلت قابلية التكرار واحدة من أكثر المسائل إثارة للجدل في هذا المجال. ولذلك لا يصح أن نبدأ من افتراض أن الظواهر الباراسايكولوجية قد ثبتت، فضلاً عن أن نفترض أن وراءها “ذكاءً غير بشرياً”.
لكن ثمة سؤالاً يسبق ذلك كله: فإذا وجدنا يوماً ظاهرة حقيقية تنطوي على معالجة للمعلومات بطريقة لا نعرفها، فهل سنكون قادرين على التعرف إليها إذا كانت مختلفة جذرياً عن الطريقة التي يعمل بها عقلنا؟ هنا يصبح الذكاء الاصطناعي مهماً. ليس لأنه يثبت الباراسايكولوجيا، وإنما لأنه يعلمنا كيف يمكن لشيء غير بشري أن يجعلنا نعيد النظر في مفهوم صغناه أصلاً انطلاقاً من الإنسان.
ولنفترض، لأغراض التفكير فقط، أن تجربة ما أظهرت بصورة قابلة للتكرار أن شخصاً حصل على معلومة لم يكن يستطيع الحصول عليها بواسطة الحواس أو القنوات التقليدية. فماذا ينبغي أن نسأل أولاً؟ الغريب أننا نميل بسرعة إلى السؤال: مَن أعطاه المعلومة؟ ولكن هذا السؤال يقفز فوق عدة مراحل كاملة. فالسؤال الأول ينبغي أن يكون: هل توجد معلومة بالفعل؟ ثم: هل يمكن تفسيرها بالمصادفة؟ ثم: هل يمكن أن تكون هناك قناة عادية لم ننتبه إليها؟ ثم: هل تتكرر الظاهرة؟ ثم: هل يوجد في ظهورها نمط أو تنظيم؟ وفقط بعد ذلك يصبح من المشروع أن نسأل عما إذا كان هذا التنظيم يوحي بوجود فاعلية ما وراءه.
وهنا يمكن أن يقدم الذكاء الاصطناعي درساً بالغ القيمة. فعندما نتحدث مع منظومة ذكاء اصطناعي متقدمة، قد تبدو إجاباتها أحياناً وكأن وراءها «شخصاً» يفهمنا ويريد أن يخبرنا بشيء. ولكننا نعرف أن الانتقال من المخرجات المنظمة إلى افتراض ذات داخلية شبيهة بذاتنا ليس انتقالاً مشروعاً تلقائياً. وإذا تعلمنا هذا الدرس مع الذكاء الاصطناعي، فلماذا لا نتعلمه أيضاً عندما نتعامل مع الظواهر الغامضة؟
يمكن اختصار المشكلة كلها في قاعدة بسيطة مفادها: لا تستنتج ماهية مصدر المعلومة قبل أن تثبت وجود المعلومة نفسها! وقد تبدو هذه قاعدة بديهية، لكنها تغير الكثير. فإذا ظهر في تجربة ما شذوذ إحصائي، فلا يعني ذلك أن ظاهرة psi قد ثبتت. وإذا ثبت وجود أثر معلوماتي غير معتاد، فلا يعني ذلك أن وراءه فاعلاً بالضرورة. وإذا وجدنا تنظيماً يوحي بالفاعلية، فلا يعني ذلك أن الفاعل واعٍ. وإذا ثبت الوعي، وهو افتراض أبعد بكثير، فلا يعني ذلك أننا عرفنا ماهية هذا الوعي أو هويته.
وهكذا يمكن ترتيب الطريق من الملاحظة إلى التفسير على النحو التالي:
الشذوذ ← المعلومات ← التنظيم ← الفاعلية ← الوعي ← الأنطولوجيا
والمشكلة أن العقل البشري يحب اختصار الطريق. فقد يبدأ من الشذوذ، ثم يقفز مباشرة إلى الأنطولوجيا. فيرى أثراً غريباً، فيفترض روحاً، أو كياناً، أو قوة، أو عقلاً آخر. وفي الجهة المقابلة قد يرتكب المشكك خطأً معكوساً: يرى أن التفسير المقترح غير مقبول، فيتصرف كما لو أن رفض التفسير يعني بالضرورة زوال الظاهرة التي كان يفترض أن يفسرها. ولكن ربما كان الموقف الأكثر عقلانية هو أن نتعلم كيف نبقي الشذوذ شذوذاً ما دمنا لا نعرف أكثر من ذلك.
وهنا تظهر واحدة من أجمل الدروس الفلسفية التي يمكن أن يقدمها لنا الذكاء الاصطناعي: التواضع في الحكم على ماهية الأشياء. فالإنسان يتعامل اليوم مع أنظمة تستطيع أن تنتج نصوصاً وتحليلات وحلولاً واستجابات تبدو ذكية بدرجة كبيرة، ومع ذلك لا يزال السؤال عن طبيعة «الفهم» الذي يحدث داخلها، وعن علاقته بالوعي، سؤالاً مفتوحاً. أي أننا أصبحنا نملك مثالاً يومياً على إمكانية أن نعرف ماذا يفعل النظام بدرجة أكبر بكثير من معرفتنا بما يعنيه وجودياً أن يفعل ذلك! وهذا درس ثمين للباراسايكولوجيا.
فربما لا يكون المطلوب أن نقرر سريعاً ما إذا كانت ظاهرة غامضة «خارقة للطبيعة»، وإنما أن نصف ما يحدث فيها بأكبر قدر ممكن من الدقة، ثم نصعد في سلم التفسير درجة بعد أخرى. إنها، بتعبير آخر، دعوة إلى أن يأتي الوصف قبل الأنطولوجيا.
ولكن العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والباراسايكولوجيا يمكن أن تذهب أبعد من الفلسفة. فبدلاً من استخدام الذكاء الاصطناعي للبحث عن أدلة تؤيد الظواهر الشاذة، يمكن استخدامه للقيام بالعكس تماماً. فيمكن أن نقول له: ابحث عن الخطأ، حاول أن تفسر النتيجة بالمصادفة، ابحث عن خلل في تصميم التجربة، اكتشف إن كان هناك تسرب غير ملحوظ للمعلومات، فتش عن انحياز إحصائي، حاول أن تعرف ما إذا كان الباحث قد اكتشف نمطاً لا وجود له إلا لأنه بحث في عدد هائل من الاحتمالات. أي أننا نستطيع أن نجعل الذكاء الاصطناعي خصماً معرفياً للفرضية التي نريد اختبارها. وتكمن قيمة هذه الفكرة في أنها تقلب الاستخدام المتوقع للذكاء الاصطناعي. فنحن لا نطلب منه إثبات ما نعتقد أنه موجود، وإنما نطلب منه أن يبذل أقصى ما يستطيع لإثبات أننا مخطئون. فإذا استطاع تفسير الظاهرة، انتهت المشكلة. أما إذا بقي بعد أقسى محاولات التفسير شيء لا نستطيع التخلص منه، فإن هذا «الشذوذ المتبقي» يصبح أكثر استحقاقاً للبحث. وهذا ربما هو أفضل ما يمكن أن يفعله العلم أمام الغريب: ألا يؤمن به، وألا ينكره، وإنما يحاول القضاء عليه تفسيرياً، ثم ينظر إلى ما بقي بعد ذلك.
غير أن ثمة احتمالاً مفاهيمياً أكثر إثارة. فنحن معتادون على التفكير في الذكاء بوصفه خاصية يمتلكها شيء: إنسان، حيوان، آلة، وربما كائن آخر. ولكن ماذا لو كان هذا أيضاً أثراً من آثار تجربتنا البشرية؟ ماذا لو كان بعض ما نسميه ذكاءً قابلاً للفهم بوصفه نمطاً من تنظيم المعلومات قبل أن يكون صفة لكائن بعينه؟ فذلك لا يعني أن الذكاء يستطيع الوجود من دون حامل أو بنية مادية ما، ولا أنه توجد بالفعل «ذكاءات» مجهولة تحيط بنا. وإنما يعني فقط أن نقطة البداية ربما ينبغي أن تكون التنظيم المعلوماتي نفسه، لا الصورة التي نتوقع أن يتخذها صاحبه.
وهذا التحول بالغ الدلالة المعرفية. فبدلاً من أن نسأل دائماً: “أين الكائن الذكي؟” فقد نتعلم أن نسأل أولاً: “أين السلوك المعلوماتي الذي يبرر أصلاً الحديث عن الذكاء؟”.
وربما تكشف المشكلة عن شيء أعمق في الإنسان نفسه. فنحن لا نكتفي عادة بما تعرضه الأشياء أمامنا، وإنما نتمثلها؛ فحن نضيف إليها من خبراتنا وتوقعاتنا وصورنا الذهنية ما يجعلها قابلة للفهم داخل عالمنا النفسي. وحين نواجه شيئاً يوحي بالقصد، فإن فائض التمثل قد يدفعنا إلى ملء الفراغ سريعاً بصورة فاعل يشبهنا. ولهذا فإن التحرر من الأنسنة في دراسة الذكاء غير البشري يمكن أن يُفهم أيضاً بوصفه محاولة للحد من فائض التمثل عند الانتقال من الظاهرة إلى تفسيرها. وليس المطلوب أن نمنع العقل من بناء الفرضيات. فالعلم نفسه لا يستطيع العمل من دونها. وإنما المطلوب أن نتذكر باستمرار أين تنتهي الملاحظة وأين يبدأ ما أضفناه نحن إليها. وهذه الحدود قد تكون أكثر قيمة في دراسة الظواهر الغامضة منها في أي مجال آخر.
يأخذنا ذلك أخيراً إلى سؤال يتجاوز الباراسايكولوجيا نفسها. لنفترض أن الإنسان واجه يوماً ذكاءً مختلفاً عنه اختلافاً جذرياً: ليس له جسم يشبه أجسامنا، ولا دماغ يشبه أدمغتنا، ولا لغة تشبه لغاتنا، ولا إدراك للزمن يشبه إدراكنا، ولا فردية بالمعنى الذي نفهم به الفرد، ولا حتى حدود واضحة بين «الكائن» و«البيئة» كتلك التي اعتدناها. فكيف سنتعرف إلى أنه ذكاء؟ إذا كان جوابنا هو أننا سنبحث فيه عن اللغة، والتخطيط، والذاكرة، والقصد، والتواصل بالطريقة التي نعرفها، فقد نكون قد عدنا إلى المشكلة نفسها: نحن لا نبحث عن الذكاء؛ فنحن نبحث عن الإنسان في مكان آخر. وقد تكون أعظم مساهمة فلسفية للذكاء الاصطناعي أنه بدأ بتحريرنا من هذه الدائرة. ليس لأنه أعطانا التعريف النهائي للذكاء، وإنما لأنه جعل التعريف القديم غير كافٍ.
لقد اضطر الإنسان مراراً إلى التخلي عن صور مختلفة من مركزيته. فاكتشف أن الأرض ليست مركز الكون. ثم اكتشف أن نوعه جزء من التاريخ البايولوجي للحياة، لا بداية منفصلة عنه. ثم أخذ يكتشف أن كثيراً من القدرات التي عدها حكراً عليه توجد، بدرجات وأشكال مختلفة، لدى أنواع أخرى. وربما نحن الآن أمام تراجع معرفي آخر لا يقل دلالة معرفية، وذلك بأن يتوقف الذكاء البشري عن اعتبار نفسه النموذج الذي ينبغي لكل ذكاء ممكن أن يشبهه.
ومن هنا تحديداً قد تنشأ صلة غير متوقعة بين الذكاء الاصطناعي والباراسايكولوجيا. فالذكاء الاصطناعي لا يثبت الظواهر التي تبحثها الباراسايكولوجيا، ولا يقدم دليلاً على وجود ذكاءات مجهولة وراءها. لكنه يقدم شيئاً ربما تحتاجه دراسة تلك الظواهر قبل ذلك كله يتمثل في طريقة أكثر تواضعاً في طرح السؤال. فبدلاً من أن نسأل مباشرة: مَن هناك؟ يمكننا أن نسأل: هل هناك شيء أصلاً؟ وإذا كان هناك شيء: هل يحمل معلومة؟ وإذا حمل معلومة: هل هي منظمة؟ وإذا كانت منظمة: هل يكفي تنظيمها للحديث عن فاعلية؟ وإذا وجدت الفاعلية: فهل هناك ما يبرر الحديث عن الوعي؟ ثم، وبعد ذلك كله، يمكننا أن نسأل السؤال الذي اعتدنا أن نبدأ به: ما هذا الشيء؟ وربما يكون هذا هو الدرس الأعمق الذي يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقدمه لبحثنا عن الذكاء غير البشري، وذلك بأن نتعلم قبل البحث عن ذكاء آخر، كيف نكف عن مطالبة ذلك الذكاء بأن يكون نسخة منا لكي نعترف بوجوده.
