
ربما كان من أكثر الأخطاء التي ارتكبناها في قراءتنا للإنسان أننا بالغنا طويلاً في تحسين صورته، حتى أصبح من الصعب علينا أن نصدّق أن بعض أكثر خصائصه إزعاجاً قد لا تكون طارئة عليه، ولا مجرد نتيجة لفساد المجتمع أو سوء التربية أو اختلال الظروف، وإنما جزءاً من المشكلة التي صاحبت ظهوره الإنساني منذ البداية.
ولعل القرآن العظيم يضع أمامنا، في قصة الهبوط إلى الأرض، نصاً بالغ الدلالة في هذا السياق؛ نصاً ربما مررنا عليه طويلاً من غير أن نتوقف بما يكفي عند الترتيب المثير الذي جاءت فيه أحداثه:
﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ من 123 سورة طه. فاللافت هنا هو ليس ورود كلمة العداوة فحسب، وإنما موقعها في القصة نفسها. فالإنسان لا يهبط إلى الأرض ثم تظهر العداوة بعد ذلك بوصفها حادثاً اجتماعياً عارضاً، وإنما يُنبَّه إلى العداوة عند لحظة الانتقال نفسها إلى الوجود الأرضي. وكأن التاريخ الأرضي للإنسان يبدأ، في النص القرآني، ومعه تحذير من شيء سيكون ملازماً لهذا الوجود مفاده أن الإنسان لأخيه الإنسان لن يكون دائماً ذلك الكائن المسالم الذي تخيلته بعض تصوراتنا المثالية عنه.
وهنا تظهر مشكلة تفسيرية تستحق إعادة النظر. فقد اتجه جانب من التفسير التقليدي إلى إدخال الشيطان في معنى قوله تعالى: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾، بحيث تصبح العداوة المقصودة، كلياً أو جزئياً، هي عداوة الإنسان والشيطان. وهذا احتمال له سياقه داخل قصة آدم، ولا يصح تجاهله. غير أن حصر الآية في هذا المعنى وحده قد يحجب سؤالاً أكثر إثارة: لماذا يحتاج النص القرآني إلى إخبار الإنسان بأن الشيطان عدو له، ثم يأمره، في مواضع أخرى، بأن يتخذ الشيطان عدواً؟ فالقرآن العظيم يقول: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾. والفارق بين الآيتين الكريمتين جدير بالتأمل. فالقول إن الشيطان عدو للإنسان يصف موقف الشيطان من الإنسان، أما الأمر بأن يتخذه الإنسان عدواً فيصف الموقف الذي ينبغي للإنسان أن يتبناه تجاه الشيطان. ومن ثم فإن عداوة الشيطان للإنسان لا تستلزم، من الناحية النصية، أن تكون هي وحدها المقصودة بكل ورود لعبارة العداوة في قصة الهبوط! بل إن قول الله تعالى ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ يفتح، في المقاربة التفسيرية التي أقترحُها، باباً أوسع بكثير: أن الوجود البشري الأرضي نفسه سيصبح مجالاً لعداوة الإنسان للإنسان.
وهنا تحديداً تظهر هذه الآية الكريمة بعداً ميتابايولوجية استثنائياً.
قد يقال إن القرآن قدّم أول صورة صريحة للعدوان البشري في قصة ابني آدم، وذلك حين قتل أحدهما أخاه ظلماً وعدواناً. وهذا صحيح من حيث الحدث القصصي. ولكن المثير أن الإعلان عن مشكلة العداوة يسبق واقعة القتل نفسها. فالقرآن العظيم لم ينتظر حتى تقع أول جريمة قتل لكي يكشف لنا قابلية الإنسان على العدوان. فلقد جاءت الإشارة قبل ذلك بقوله: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾. ثم تأتي قصة ابني آدم بعد ذلك وكأنها التجسيد التاريخي المبكر لما سبق أن نُبّه إليه عند الهبوط. ولذلك يمكن قراءة مقتل أحد ابني آدم على يد الآخر لا باعتباره حادثة منفصلة ظهرت مصادفة في التاريخ البشري الأول، وإنما باعتباره أول انكشاف درامي لما يمكن تسميته فائض العدوان.
فالإنسان لم يكتفِ بأن يدافع عن نفسه، ولم يقتل لكي يفترس ويأكل، ولم يكن أمام تهديد وجودي مباشر يفرض عليه إزاحة منافسه، حيث انتهى الأمر بقتل إنسان لأخيه الإنسان بسبب شبكة من التمثلات والانفعالات والرغبات التي تجاوزت بكثير مقتضيات البقاء البايولوجي المباشر.
وهنا يبدأ الفرق بين العدوان البايولوجي وفائض العدوان الميتابايولوجي.
ليس المقصود بفائض العدوان أن الحيوان لا يعرف العدوان. فهذا يناقض أبسط ما نعرفه عن السلوك الحيواني. فالحيوانات تتقاتل على الغذاء، والمجال، والشريك، وحماية الصغار، والتراتب الاجتماعي، والدفاع عن النفس. ولكن العدوان في العالم الحيواني يظل، في معظم صوره، مرتبطاً بوظائف بايولوجية قابلة للفهم داخل اقتصاد البقاء والتناسل. أما الإنسان فقد استطاع أن ينقل العدوان إلى مستوى آخر. فيستطيع أن يكره شخصاً لأنه أهانه قبل عشرين عاماً. ويستطيع أن يقتل من أجل فكرة. ويستطيع أن ينتقم من أبناء خصمه بعد موت الخصم. ويستطيع أن يحوّل خلافاً على رمز أو معتقد أو هوية إلى حرب تستمر أجيالاً. ويستطيع أن يعذب عدوه مع أنه قادر ببساطة على تحييده. ويستطيع، وهذا هو الأخطر، أن يبني سرديات كاملة تجعل العدوان فضيلة، والقتل بطولة، والإبادة واجباً، والانتقام عدالة. وهنا لا نعود أمام العدوان بمعناه البايولوجي البسيط. بل أمام عدوان تجاوز الوظيفة التي كان يمكن للطبيعة أن تحتاجها منه. وهذا هو الفائض.
غير أن فائض العدوان عند الإنسان ربما لم يكن ليصبح بهذه الخطورة لو أنه ظل قوة منفردة. فالمشكلة الكبرى تبدأ حين يتحالف مع فائض التمثّل. فالإنسان لا يعتدي لإنه يستطيع أن يصنع تفسيراً يبرر اعتداءه فحسب. ولا يكره فحسب، بل يستطيع أن يبني نظرية كاملة تجعل كراهيته عقلانية!
ولا ينتقم فحسب، بل يستطيع أن يعيد تمثل الانتقام بوصفه استعادة لعزة النفس. ولا يخوض الحرب فحسب، بل يستطيع أن يجعلها حرباً “مقدسة”، أو تاريخية، أو قومية، أو أخلاقية، أو ضرورية. وهكذا يمنح فائض التمثّل فائضَ العدوان ما لا يمتلكه العدوان الحيواني ألا وهو القدرة على الاستمرار بعد زوال سببه المباشر. فيموت المعتدي ويبقى الثأر. وتنتهي الواقعة وتبقى الكراهية. ويتغير الجيل ويبقى العداء. بل قد ينسى الناس الواقعة التي بدأت منها الخصومة، بينما تظل الخصومة نفسها حية؛ لأن التمثلات التي صنعتها أصبحت أقوى من الحدث الذي أنشأها!
وهنا يمكن أن نفهم لماذا كان التعبير القرآني ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ بالغ الكثافة. فالعداوة ليست حادثة واحدة، وإنما هي إمكانية بنيوية سترافق الاجتماع البشري وتحتاج باستمرار إلى الضبط.
ربما كانت إحدى المشكلات التي واجهت بعض قراءاتنا التراثية أنها انطلقت من تصور مسبق يرى الإنسان في صورة شديدة التعظيم، ثم حاولت قراءة النصوص من خلال هذه الصورة. ولكن القرآن العظيم نفسه يبدو أقل مجاملة للإنسان بكثير. فالإنسان في القرآن العظيم ظلوم، وجهول، وهلوع، وقتور، وأكثر شيء جدلاً. وهو قادر على الطغيان بمجرد أن يستشعر الاستغناء: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ 6-7 العلق. وهذه الأوصاف لا تعني أن الإنسان شر محض، كما أنها لا تنفي قابليته الهائلة على فعل الخير والإحسان والتضحية. ولكنها تمنعنا من بناء أنثروبولوجيا مثالية لا ترى في الشر والعدوان إلا عناصر وافدة على طبيعة بشرية مسالمة في أصلها.
فالقرآن العظيم، وفق هذه المقاربة التفسيرية، لا يقول للإنسان إن الخطر كله قادم من الخارج. والشيطان ليس وحده هو المشكلة. لكن يذكر أن الإنسان نفسه مشكلة للإنسان. ولعل هذه واحدة من أكثر الحقائق إزعاجاً في قصة الهبوط.
ومن هنا يمكن إعادة التفكير في الوظيفة العميقة للأخلاق والشرائع والقوانين. فإذا كان الإنسان خيراً بصورة تلقائية، فما الحاجة إلى كل هذه المنظومات التي تحرّم القتل، والظلم، والبغي، والعدوان، والسرقة، والثأر، والاعتداء على الضعفاء؟ ولماذا يحتاج الإنسان إلى أن يُذكَّر باستمرار بأن يعفو، ويصفح، ويكظم الغيظ، ويعدل حتى مع من يكره؟ ربما لأن هذه الأوامر لا تخاطب كائناً خالياً من العدوان، وإنما تخاطب كائناً يملك من القدرة على العدوان أكثر مما يحتاج إليه وجوده البايولوجي.
ومن هنا تصبح الأخلاق، في القراءة الميتابايولوجية، ليست مجرد منظومة لتعليم الإنسان الخير، وإنما منظومة لإدارة كل من فائض التمثل وفائض العدوان، فهي إذاً محاولة حضارية وتدينية مستمرة لمنع فائض العدوان من الاستيلاء على المجال البشري. فالقول: لا تقتل، يفترض القدرة على القتل. والقول: لا تعتدوا، يفترض قابلية على العدوان. والقول: اكظموا الغيظ، يفترض وجود الغيظ. والقول: اعفوا، يفترض وجود دافع للانتقام. وكأن التشريع الأخلاقي، حين نقرأه من هذه الزاوية، يكشف لنا بصورة غير مباشرة عن طبيعة الكائن الذي جاء لضبطه.
ومع ذلك، سيكون من الخطأ أن نفهم هذه الآية الكريمة باعتبارها إعلاناً بأن الإنسان محكوم عليه بالعداوة إلى الأبد. فالقرآن العظيم نفسه الذي يكشف قابلية الإنسان على العدوان هو الذي يطالبه بتجاوزه.
وهنا تكمن المفارقة. فالإنسان يحمل قابلية لأن يكون عدواً للإنسان، لكنه يحمل كذلك القدرة على مقاومة هذه القابلية.
وبهذا المعنى لا تكون الأخلاق نفياً للطبيعة البشرية، وإنما محاولة للارتقاء فوق بعض إمكاناتها. ولا يكون العفو سلوكاً سهلاً وطبيعياً بالضرورة، وإنما انتصاراً على إمكانية أخرى كامنة في النفس. ولا يكون الإحسان مجرد فضيلة اجتماعية، وإنما واحداً من أكثر أشكال مقاومة فائض العدوان تقدماً؛ لأن الإنسان حين يحسن إلى من أساء إليه فإنه لا يفعل ما لا يفعله المعتدي فحسب، وإنما يقاوم سلسلة سببية كان يمكن أن تجعل الإساءة تنتج إساءة أخرى، ثم أخرى، ثم أخرى بلا نهاية.
ولهذا ربما ينبغي أن نعود إلى قصة الهبوط ونقرأ ترتيب أحداثها مرة أخرى. فالنص القرآني لم يقل إن الإنسان هبط إلى الأرض، وبنى المجتمعات، ثم ظهرت المشكلات، ثم نشأت العداوات. بل إن العداوة حضرت في خطاب الهبوط نفسه: ﴿اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾. وكأن الإنسان لم يحمل معه إلى الأرض جسمه ووعيه وقدرته على التعلم فحسب، وإنما حمل كذلك مشكلة سوف يظل التاريخ البشري كله يحاول السيطرة عليها.
وإذا كان فائض التمثّل قد منح الإنسان القدرة على أن يتصور ما ليس موجوداً، وأن يبني المعاني والهويات والعقائد والحضارات، فإن فائض العدوان منحه، في المقابل، القدرة على تحويل هذه المعاني نفسها إلى أسباب للكراهية والصراع والحروب. ومن هنا قد لا يكون التاريخ الطويل للعنف البشري انحرافاً غريباً عن قصة الإنسان بقدر ما يكون تحقيقاً متكرراً لإمكانية حذّر منها النص القرآني منذ البداية. غير أن القرآن لم يترك الإنسان أسيراً لهذه الإمكانية. فبعد قوله تعالى: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ تأتي مباشرة الإشارة إلى الهدى:
﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾.
وهنا ربما تكمن الدلالة الأعمق كلها. فالعداوة ليست نهاية القصة، بل المشكلة التي يبدأ عندها الاحتياج إلى الهدى. فلقد أخبر القرآن العظيم الإنسان، منذ بداية وجوده الأرضي، بشيئين متجاورين على نحو لافت: أن بعضه يمكن أن يصبح لبعض عدواً، وأن ثمة هدى سيأتيه ليقوده في هذا الوجود. وكأن التاريخ الإنساني، في أبسط صياغة ميتابايولوجية ممكنة، يمكن قراءته باعتباره الصراع المستمر بين هذين الإمكانين: فائضٌ يدفع الإنسان إلى تجاوز حدود العدوان التي يحتاجها الكائن للبقاء، وهدىً يحاول أن يعيد هذا الفائض إلى حدود يستطيع معها البشر أن يعيش بعضهم مع بعض في مودة وسلام.
وعندئذ ربما نكتشف أن القرآن العظيم لم يكن بحاجة إلى انتظار علوم النفس، ولا الأنثروبولوجيا، ولا البايولوجيا التطورية، لكي يلفت النظر إلى المشكلة. فلقد وضعها، منذ البداية، في العبارة التي استُقبل بها الإنسان وهو في طريقه إلى الأرض: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾.
ولعلنا لم نتأخر في اكتشاف فائض العدوان عند الإنسان بقدر ما تأخرنا في إدراك أن النص القرآني قد وضع أيدينا عليه منذ زمن بعيد.
