
ما الذي يدفع الإنسان إلى التعجُّل في إصدار حكمٍ قاطع بانتفاء وجود شيء ما، أو بعدم صحة خبر ما، أو باستحالة تحقق ظاهرة ما، هكذا ومن دون أن يتثبَّت مما عُرِضَ عليه، وذلك بأن يستعين بمصدر معلومات موثوق؟ ولماذا تستشري هذه الظاهرة بين الناس كلهم جميعاً، بغض النظر عن مستواهم التعليمي أو الثقافي أو العِرقي أو الاجتماعي؟ وكيف بإمكاننا أن نزعم أنَّ الإنسان كائن عاقل، بالمعنى الذي يقول به أولئك الذين لا يجدون غضاضةً في تمجيد ما يزعمون أنها عظَمة للإنسان تمايزَ بها عن غيرِه من الكائنات الحية؟
أسئلة لابد وأن تضطرنا إلى التشكيك في كثير من المسلَّمات التي ألفناها حتى باتت عندنا مما لا ينبغي الشك فيه على الإطلاق! ولكن واقع الحال يقول شيئاً آخر؛ فكثير منا قد خبروا أنَّ تعجلهم في الجزم ببطلان وانتفاء صحة ما ينقله إليهم هذا أو ذاك من بني جِلدتهم لا يصمد أمام الحقيقة التي سرعان ما ستبرهن على فساد حكمهم المتعجل هذا! ولكن، وكما يحدث دوماً، فإننا سرعان ما نقصي هذا الحدث من وعينا وذاكرتنا حتى لا يعود بمقدورنا بعدها أن نعتمده أصلاً معلوماتياً يعيننا على اتخاذ موقف أكثر حذراً في المرة القادمة التي يُعرض فيها علينا ما نحن مستيقنون من بطلانه واستحالة حدوثه!
لنعد مرة أخرى إلى الأسئلة الواردة أعلاه؛ أفلا تُلزِمنا هذه الأسئلة بأن نبحث في ماضينا التطوري عن العلة التي جعلتنا نتصرف على هذه الشاكلة؟ وألا تطالبنا هذه الأسئلة بالتشكيك في تاريخنا التطوري كما تقصه علينا البايولوجيا التطورية؟ فأين هي المصلحة التطورية في هذا “الخلل المعرفي” الذي تجلِّيه هذه المفارقة الوجودية المميِّزة للعقل البشري؟ أفلا بجدر بهذا العقل ألا يدع لشيء من ميلٍ أو نزوع أو هوى أن يخالط أصولنا المعلوماتية المستقاة من خبراتنا اليومية، والمختزلة في ذاكرتنا، حتى لا نكرر الخطأ ذاته مرة تلو أخرى؟ إن هذا الخلل المعرفي هو في حقيقة الأمر “خلل تطوري”. ولأنه كذلك، فإن مجرد الإقرار بتحقق حدوثه يجعلنا ملزَمين بأن نطالب البايولوجيا التطورية بالإجابة على كثير من الأسئلة ذات الصلة بكيفية حدوثه المتعارض مع ما تقوم عليه افتراضاتها بشأن تاريخنا التطوري.
إن مفارقة وجودية كهذه، كما يكشفها هذا الخلل المعرفي، لابد وأن تحيلنا، مرة أخرى، إلى تلك الأسباب الموجبة التي لا تنفك تطالبنا بوجوب إعادة كتابة تاريخنا التطوري، وإلى الارتقاء بفهمنا للبايولوجيا التطورية بعيداً عن كل ما من شأنه أن يُبقي على افتراضاتنا وتصوراتنا بخصوص “أفضليتنا التطورية”، في الوقت الذي لا نزال على إيماننا الراسخ بأن مسيرة تطورنا لم تعتورها انعطافات تجعلها أبعد ما تكون عن الاستقامة على طريق لا انحناءةَ فيه ولا ينطوي على أي “تحويلة مؤقتة”!
