
لكل حضارة “أعمدتها الخفية” التي عادة ما يغفل أهلها عن تبيُّن وجودها وإدراك ما لها من يدٍ طولى في إبقائها قائمةً على أصولها. ولن أتطرق في هذه المقالة إلى الحديث عن “الأعمدة الخفية” التي قيضت للحضارات الغابرة أن تبقى سائدة إلى حين. فما يشغلني هنا هو “الأعمدة الخفية” التي لا أملك غير أن أتساءل إن كان زوالها سينجم عنه لا محالة زوال حضارتنا المعاصرة. كما أنني لا أتطرق في هذه المقالة لأكثر من “عمودين خفيين” فحسب من هذه الأعمدة، وأعني بهما الكحول والتدخين! فالناظر إلى إنسان حضارتنا المعاصرة يراه كائناً متزناً مستقراً قادراً على أن يجعل الناظر إليه يرى فيه ما قد لا يتماهى مع ما هو عليه حقاً وحقيقة! فهذا الاتزان الذي يبدو عليه إنسان حضارتنا المعاصرة هو صنيعةُ عوامل متعددة، ما يعنينا منها في هذه المقالة هو ما كان ذا صلة بما أسميه “الأعمدة الخفية” لحضارتنا.
وحتى نتبين قوة الوهم الذي رسخته فينا أدوات “التلقين المعلوماتي”، فلنا أن نتخيل عالماً افتراضياً تأخذ فيه الدول المتقدمة على عاتقها مهمة القيام بما يمليه عليها حسُّها الأخلاقي والقِيَمي. ففي عالمٍ افتراضي كهذا، فإن هذه الدول لا تعود مُلزمَة باتباع ما يُملى عليها من قبل الشركات العملاقة المسؤولة عن تصنيع وتسويق وترويج الكحول والسجائر. فهذه الدول أصبحت تدرك مقدار الضرر، الذي تُلحقه هذه المواد بالمدخن وبمتعاطي الخمر، وبمن يحيط به، وبالبيئة. ولذلك فإن قرارها بحظر تصنيع هذه المواد، وتجريم تسويقها والترويج لها، لن يحتاج منها لإيراد “أسباب موجبة”، أو “مواد قانونية”، تسوِّغ بالاستعانة بها لقرارها هذا.
والآن، وفي عالم افتراضي كهذا، يحق لنا أن نتساءل عن المدة التي ستستغرقها حضارتنا المعاصرة، في ظلِّ حظر وتجريم تدخين السجائر ومعاقرة الخمر، قبل أن يُصاب أناس هذه الحضارة بأعراض التوقف الفجائي عن استعمال هذه المواد. إن الإجابة على هذا السؤال، إذا ما التزمت المنهج العلمي بكل ما ينطوي عليه من نزاهة وحياد وموضوعية، ومن دون أي تأثر بعوامل ضاغطة من قبل أي لوبيات أو كابتلات، ستنتهي بنا، وبكل تأكيد، إلى البدء بعَدٍّ تنازلي نهائي لزوال حضارتنا التي اختلَّ فيها عمودان من “أعمدتها الخفية”.
