في معنى قول الله تعالى “مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ”

يشدد الله تعالى في قرآنه العظيم على وجوب أن يتبع الإنسان تسلسلاً منطقياً في تعامله المعرفي مع وقائع الوجود وأحداثه. وهذا التسلسل المنطقي ذاته هو ما بطالب القرآنُ العظيم الإنسانَ بضرورة ألا يحيد عنه حين يحاكم الأفكار ويحكِّم فيها عقلَه. ولقد قدَّم لنا القرآن أمثلةً ترينا كيف يحيد العقل البشري عن هذا التسلسل المنطقي سواء في تعامله المعرفي مع الظواهر والوقائع والأحداث، أو في حكمه على ما يعرض له من أفكارن ومن ذلك ما بوسعنا أن تبيُّنه بتدبر المواضع القرآنية التالية:
1- (أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ. وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ. أَاصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِين. مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) (151- 154 الصافات).
2- (قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) (35 يونس).
3- (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ. مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) (35- 36 القلم).
وهنا لابد من التشديد على حقيقةٍ قرآنية مفادها أنَّ هذه السمة لا تتميز بها جماعة من البشر بِعينها. فالقرآن يتحدث عن أقوام يتفاوتون فيما بينهم على قدر تعلق الأمر بالمكان والزمان والقومية والعِرق، غير أن الثابت بشأنهم هو نزوعهم إلى الحيود عن التسلسل المنطقي في تعاملهم المعرفي مع وقائع الوجود، وكذلك حين يتعلق الأمر بالأفكار التي تُعرَض عليهم.
إن متدبر القرآن لن يجد صعوبةً تُذكَر في تبيُّن الجوهر الحقيقي للصراع بين الأنبياء وأقوامهم الذين أبوا أن يهتدوا بما جاؤوهم به من هَدي من عند الله. فإذا ما نحَّينا جانباً ما يغلب على ردود أفعال تلك الأقوام، من انتصار للهوى ونزوع إلى القطع باستحالة أن يكون أنبياؤهم أفضل منهم، فإن “المنطق” الذي يجادلون متسلحين به هو في حقيقته أبعد ما يكون عن المنطق السليم! وهذه حقيقة نجد عليها أمثلةً يكفينا منها ما تبينَّاه في الآياتِ الكريمة أعلاه. ولذلك فإنَّ ادِّعاء أولئك الذين كذَّبوا الرسل بأنهم يحتكمون إلى ما يقضي به العقل، ويؤيده المنطق، لا يمكن أن يصمد أمام هذا التدقيق القرآني الذي أقام به الله تعالى عليهم الحجة حين بيَّن بطلان ادعائهم هذا.

اترك تعليقًا